رسالتي إلي كل من دعا إلي الله وفي سبيل الله : 

رسالتي إلي كل من دعا إلي الله وفي سبيل الله :

خطر في بالي وأنا أتأمل حال الدعوة في زمانٍ كثرت فيه الأصوات وقلّ فيه الصادقون أنّ من الضرورة بمكانٍ تذكيرُ الدعاة إلى الله، وتنبيهُ القائمين على الدعوة، لا سيما الجدد منهم واليافعين؛ لأن أكثرهم يمضي في طريقه وهو لا يكاد يجد ناصحًا أمينًا يوقظه عند الغفلة، ولا معينًا صادقًا يسنده عند الفتور، ولا مرآةً نقيةً تردّ إليه صورته إذا اختلطت عليه نياته أو اشتبهت عليه السبل.

وربّ داعيةٍ أخلص لله، ثم أكلته العادة، وربّ حاملٍ للرسالة صدق في أول خطاه، ثم ضعف قلبه أمام زخارف الطريق. فهذه كلماتُ وصيةٍ لا تزعم الكمال، لكنها تُحسن الظنّ بمن يحملون النور، وتخاف عليهم من ظلماتٍ متخفية في هيئة “نجاح” أو “قبول” أو “شهرة”.

يا دعاة الله… يا ورثة الأنبياء… يا من اصطفاكم الله لشرفٍ لا يُشترى ولا يُنال بكثرة العلم وحده ولا بحسن البيان وحده، بل يُنال قبل ذلك وبعده بصدق التوجه، وحسن الاتباع، وطهارة السريرة.

اعلموا أن الله قد مَنَّ عليكم بمرتبةٍ عظيمة؛ فالدعوة امتدادٌ لميراث النبوة من جهة الوظيفة لا من جهة العصمة. أنتم تحملون رسالةً مطهّرةً زكيّةً من السماء، رسالة تُقيم صلة الإنسان بربه، وتعيد للروح وجهتها، وتحرر القلب من عبودية الهوى والناس. ولأنها رسالةٌ سماوية، فإن حاملها ليس كغيره من البشر من جهة المسؤولية، ولا من جهة الأثر، ولا من جهة الحساب؛ الناس قد يغفرون لأنفسهم ما لا يغفرونه لكم؛ لأنهم يرون فيكم قدوةً قبل أن يسمعوا منكم خطبة، ويرون فيكم معنىً قبل أن يقرؤوا لكم منشورًا.

لهذا . لا تجعلوا الدعوة “وظيفةً” تؤدونها، بل اجعلوها “هويةً” تسكنكم؛ لا يكفي أن تدعوا بألسنتكم، ثم تُكذّبكم أحوالكم. ولا يكفي أن ترفعوا شعارًا، ثم تُسقطه تصرفاتكم الصغيرة.

إن الدعوة ينبغي أن تتمثل في كل شبرٍ منكم: سلوكًا وعقيدةً وعملًا وقولًا وفكرًا واهتمامًا ونظريةً ومنهجًا. وأن يتقمص كلُّ واحدٍ منكم الدعوة إلى الله في صلاته قبل كلامه، وفي خلقه قبل جداله، وفي عدله قبل حماسه، وفي رحمته قبل شدته، وفي تواضعه قبل ظهوره.

يا داعية الله… أول ما يجب أن تُصلحه في الدعوة: أنت.
أول منصةٍ تُخاطب بها الناس: قلبك؛ وأول دليلٍ على صدق رسالتك: ثباتك على الاستقامة حين لا يراك أحد.

احذروا أن تكونوا أصحاب هممٍ باهضة!

بعض الناس يرفع سقف الكلام حتى يعجز عنه الفعل، فيصير داعيةً يُشعل الحماس في غيره ثم يخبو في نفسه. وبعضهم يتحدث عن الإخلاص وهو يفتش عن الثناء؛. وبعضهم يتكلم عن الزهد وهو يلهث خلف الصورة؛ وبعضهم يرفع راية السنة وهو يقسو على الخلق ويغفل عن مقاصد الشريعة في الرحمة والعدل والحكمة.

لا يليق بحامل الرسالة المطهرة أن يكون صاحب همةٍ باهضةٍ تثقل الناس ولا تعينهم، ولا أن يكون ممن يجرّ الدعوة إلى ذاته، أو يجعل نفسه محورًا والحق تابعًا. بل كونوا مثالًا للاستعلاء في سبيل الله: استعلاءً على النفس، على الهوى، على الرغبة في التصدر، على حب الثناء، على وهم “الصورة” و“الهيبة”. كونوا القدوة في التضحية، في التجرد إلى الله، في الإخلاص العميق للدعوة، في الشجاعة، وفي اليقين الذي لا يتكلم كثيرًا عن اليقين بل يبرهن عليه.

كونوا أصحاب هممٍ عالية، نعم… ولكن هممًا “صادقة” لا “صاخبة”، هممًا “ثابتة” لا “موسمية”، هممًا “ترتفع بالعبودية” لا “بالاستعراض”.

يا حملة الرسالة… أنتم مثال الاستعلاء في سبيل الله، لا الاستعلاء على عباد الله :

فارقٌ عظيم بين من يعتز بدينه فيثبت على الحق، وبين من يتكبر على الناس باسم الدين. الاعتزاز: ثباتٌ مع تواضع. والتكبر: قسوةٌ مع فراغ.

كونوا القدوة في التضحية، في التجرد إلى الله، في الإخلاص العميق للدعوة، في الشجاعة، في اليقين، في الصبر الطويل الذي لا يطلب نتائج فورية، ولا يستعجل حصادًا قبل موسم. فمن سنن الدعوة أن يختبر الله الصادقين: يبتليهم بالتعب، ويبتليهم بقلة الناصر، ويبتليهم بسوء الفهم، ويبتليهم بتأخر الثمرة… ليميز من يدعو لله ممن يدعو لنفسه.

إياكم ثم إياكم أن تكونوا أصحاب دنيا زائفة، أو ممن تُغويهم المظاهر والنعم الزائفة في الدنيا:

ليس المقصود أن يُحرم الداعية من رزقٍ أو أن يترك أسباب الحياة، ولكن المقصود ألا تملك الدنيا قلبه، وألا تصير الدعوة سلّمًا لدنيا، وألا تصبح الشهرة ميزانًا للحق، وألا يصبح “الانتشار” معيارًا للقبول عند الله.

واحذروا دنيا زائفة تُخدِّر القلوب: مظاهر تُسكر، ونِعَم تُلهي، وفتات شهرةٍ يُنسي الإنسان أنه عبد. ليس الزهد أن تترك المال مطلقًا، بل أن لا يملكك المال؛ أن تضع الدنيا في يدك لا في قلبك، وأن يكون همك الأعظم: رضا الله، لا رضا الناس. فمن أراد الله به خيرًا جعل “الخفاء” أحب إليه من “الضجيج”، وجعل “الأثر” أحب إليه من “الصورة”.

قد يفتح الله على بعضكم قبولًا واسعًا… فتكون هذه نعمةً عظيمةً إن شُكرت، وفتنةً عظيمةً إن سُكرت. وقد يمنع الله عن بعضكم الأضواء… فيكون ذلك سترًا ورحمةً لتصفو النية ويقوى الصدق.

تسلحوا بالوعي الفكري وبالهمة العالية:

الوعي الفكري لا يعني كثرة الجدل، بل يعني فهم الواقع، وفقه الأولويات، ومعرفة أبواب الدخول إلى القلوب، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الثابت والمتغير، وبين الحكمة والمداهنة:

تسلحوا بالوعي الفكري؛ فإن الدعوة بلا وعي قد تصير عاطفةً تستهلك صاحبها أو حماسةً تجرح الناس. تعلموا كيف تزنون الأقوال، وكيف تفهمون النصوص، وكيف تفرقون بين الثابت والمتغير، وبين المقاصد والوسائل، وبين النص وروحه. ارفعوا هممكم: دعوةٌ بغير همةٍ عاليةٍ تتحول إلى روتين، وروتينٌ بلا إخلاص يصبح عبئًا على صاحبه وعلى الناس.

احذروا أن تصبحوا ردود أفعال. احذروا أن يجرّكم خصوم الحق إلى معارك جانبية تستنزف أعماركم وتطفئ نوركم. احذروا أن تُشغلكم التفاصيل الصغيرة عن المقاصد الكبرى: توحيد الله، تزكية النفس، إقامة العدل، نشر الرحمة، بناء الإنسان.

ومع ذلك كله: تذكروا أنكم هداة بشرٍ لا قضاة عليهم، ورحمةٌ تمشي على الأرض لا سوطٌ يلهب الظهور. كونوا بشرًا وإنسانًا: لا استعلاء بغير الإيمان، ولا تجبر ولا تكبر في طريق الدعوة. خفضوا الجناح، وأحسنوا الظن، وقدِّموا الإيثار، وعودوا أنفسكم التضحية بالنفس والمال والوقت.

لا مكان للدعاة في ازدحام الدنيا على حطامها، ولا مكان لهم في السلوك الأناني الضيق؛ بل الواجب أن تحبوا الخير لغيركم أولًا: فلا حسد، ولا بغض، ولا تصيد للزلات، ولا فرح بسقوط أحد. حامل الرسالة لا يزداد إذا نقص غيره، ولا يعلو إذا تعثر أخوه؛ بل يفرح بإصلاح الناس ولو لم يكن على يده، لأن غايته الله لا “نصيبه من المشهد”.

وصقلُ النفس أصلٌ في طريقكم: زكُّوها، جرِّدوها من الصفات التي تعيق الرسالة أو تنفِّر البشر. تحلَّوا بصفات الأنبياء والصديقين: وأولها الصدق، ثم الوعي، ثم حسن الظن، ثم الإيثار، ثم التضحية، ثم حب الخير للغير. اجعلوا قلوبكم واسعةً للناس، ولغتكم رحيمة، وعتابكم رفيقًا، وحزمكم عادلًا.

يا هداة البشرية… كونوا بشرًا وإنسانًا :

لا استعلاء بغير الإيمان، ولا تجبر ولا تكبر في طريق الدعوة. بل خفض الجناح، ولين الجانب، وحسن الظن بالناس، والرفق بهم، والشفقة عليهم. الداعية ليس قاضيًا يُصدر أحكامًا على النيات، ولا شرطيا يُفتش في القلوب. الداعية طبيبٌ للروح، يحمل الدواء بحكمة، ويُعطيه بقدر، ويختار الوقت المناسب، ويعرف أن الجراح لا تُعالج بالصراخ.

تذكروا قول الله تعالى: “ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.
هذه ليست جملةً تُقرأ ثم تُنسى؛ هذه قاعدةٌ في بناء القلوب. الفظاظة تُسقط الدعوة ولو كانت حقًا، لأن الحق يحتاج إلى وعاءٍ رحيمٍ ليصل.
الرفق ليس ضعفًا؛ الرفق قوةٌ مُهذبة. واللين ليس تنازلًا عن الحق؛ اللين طريقةٌ لتبليغ الحق دون أن تتحطم النفوس.

يا دعاة الله… لا مكان لكم في ازدحام الدنيا:

لا مكان لكم في السلوك الأناني. لا مكان لكم في حسد الدعاة لبعضهم، ولا في بغض العاملين، ولا في تنازع الرايات، ولا في صراع الزعامات. الدعوة ليست سوقًا للمنافسة على الجمهور، ولا ميدانًا لتصفية الحسابات، ولا منصةً لإثبات الذات:.فالدعوة إلي الله عبودية.

احملوا قلوبًا واسعة تحب الخير للغير قبل النفس؛ ليكن أحدكم فرِحًا بنجاح أخيه كفرحه بنجاح نفسه؛،وليكن غمّه على زلة أخيه رحمةً لا شماتة؛ وليكن حرصه على ستر أخيه أعظم من حرصه على إسقاطه؛ فالداعية يزكي النفس ويصقلها، ويجردها من كل صفة تعيق الرسالة أو تنفر البشر.

وتحلوا بصفات الأنبياء والصديقين والدعاة؛ وأولها الصدق.
الصدق ليس كلمةً… الصدق حياة. !
صدقٌ مع الله في النية، وصدقٌ مع الناس في الوعد، وصدقٌ مع النفس في الاعتراف بالتقصير !

ثم يأتي بعده الوعي، ثم حسن الظن، ثم الإيثار، ثم التضحية، ثم الحلم، ثم الصبر، ثم العدل، ثم الرحمة. هذه مفاتيح القلوب. هذه “لغة الدعوة” التي يفهمها كل إنسان مهما كانت ثقافته.

واذكروا دائمًا: الدعوة ليست بالأماني.
فالدعوة إلي الله برهان :

ليس كل من قال “أنا داعية” صار داعية. وليس كل من تكلم باسم الدين صار من أهله. قال تعالى ردًا على الأماني: “وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”.
فاجعلوا برهانكم ظاهرًا في أخلاقكم، في أمانتكم، في رحمتكم، في ضبط ألسنتكم، في طهارة أيديكم، في اتزان أحكامكم، في عدلكم حتى مع من يخالفكم، وفي تواضعكم حين تُمدحون، وفي صبركم حين تُؤذون.

واعلموا أن من أعظم فقه الدعوة: فقه التوبة والرجوع.
الداعية ليس معصومًا. قد يخطئ في أسلوبه، قد يزلّ في غضبه، قد يتعجل في حكمه، قد ينحرف قلبه قليلًا إلى مدحٍ أو جاه. لكن الفارق بين الصادق وغيره: الصادق يراجع ويتوب ويعود بسرعة، ولا يحمي خطأه بالكبرياء.

تذكروا شجاعة سحرة فرعون حين رأوا الحق فتركوا كل شيءٍ لله ولم يستكبروا: عرفوا الحقيقة فاستسلموا لها، ولم يحبسهم كبرياء “الماضي” عن نور “الآن”.

وتذكروا بأس عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين واجه الباطل بوضوحٍ وقوة، لكن تلك القوة لم تكن قسوةً على المؤمنين، بل كانت عدلًا ورحمةً وحزمًا في موضع الحزم.
الأمثلة كثيرة… لكنها كلها تقول شيئًا واحدًا؛ الرجوع إلى الحق شجاعة، والتواضع للحق رفعة، والكبرياء حجاب.

ثم أوصيكم يا أهل الدعوة بأمورٍ جامعةٍ لا غنى عنها:

أوصيكم بالإخلاص… فهو روح العمل.

راقبوا قلوبكم؛ فإن القلب يتقلب. لا تجعلوا الناس ميزانكم. اجعلوا الله مقصدكم. “اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا.”

وأوصيكم بالعلم… فهو نور الطريق.

لكن العلم ليس جمعَ معلوماتٍ فقط؛ العلم فقهٌ وحكمةٌ وبصيرة؛ تعلّموا كيف تُنزلون النصوص منازلها، وكيف تميزون بين مقام التعليم ومقام الدعوة ومقام الإصلاح ومقام القضاء. لا تخلطوا الأبواب فتفسدوا القلوب وأنتم تظنون أنكم تصلحونها.

وأوصيكم بالعمل… فهو صدق الدعوة.
صلاتكم، وقيامكم، وذكرُكم، ، وصدقكم في معاملاتكم، وحفظكم لأمانات الناس… هذه هي “الخطب” التي لا تحتاج مكبر صوت أو رفع شعار !

وأوصيكم بالرفق… فهو مفتاح القلوب.

لا تحطموا الناس وأنتم تريدون بناءهم. لا تفضحوا الضعفاء باسم النصيحة؛ لا تجعلوا الخطأ فرصةً لإظهار الذات ؛ اجعلوا النصيحة سترًا ورحمةً وحكمة.

وأوصيكم بالثبات ؛ فالدعوة طريق عمر لا طريق موسم.
قد يضعف فيكم الحماس؛ فلا تجعلوا الحماس قائدكم، بل اجعلوا الانضباط والعبودية قائدكم. من عبد الله بالحماس انقطع، ومن عبد الله بالصدق ثبت.

وأوصيكم بحسن الصحبة… فإن الداعية وحده قد تأكله نفسه.
التمسوا أهل الصدق الذين ينصحونكم، لا الذين يصفقون لكم. اطلبوا الناصح الأمين، وافرَحوا بمن يذكركم بالله ولو أوجعكم. فالجرح الذي يفتح طريق الشفاء خيرٌ من مساحيق تُخفي المرض.

وأوصيكم بمحاسبة النفس… فالنفس إذا تُركت ادعت.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا. اسألوا: لماذا قلت؟ لماذا غضبت؟ لماذا نشرت؟ لماذا فرحت بالمدح؟ لماذا ضقت بالنقد؟ هذه الأسئلة ليست جلدًا للذات، بل هي صيانةٌ للقلب.

يا دعاة الله… أنتم الأمل والنبراس.

لكن تذكروا: النبراس إن لم يُزَكَّ وقوده، دخّن وأفسد الهواء. والنور إن لم يُحفظ، خبا أو صار نارًا تحرق بدل أن تهدي.

فالامتثال… الامتثال.
والتجرد… التجرد.
وكونوا الرسالة قبل إلقاء الرسالة.

واجعلوا دعاءكم دائمًا:
“اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واهدنا واهدِ بنا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، واجعلنا رحمةً للعباد، وثباتًا على الحق، وصدقًا في القول والعمل، وحسنَ اتباعٍ لنهج نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم.”

أخ ومحب لكم : د. جلال الدين يوسف أحمد
من مدونتي : رسائل صديق

Leave a Reply

Scroll to Top

Discover more from Dr Abdulrazaq Yusuf Ahmed | Dr Jalaaludiin

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading