بدأُ الحياةُ معنا، لا بخطوةٍ على الأرض فحسب، بل بعهدٍ خفيٍّ مع القيم؛ تلك المبادئ التي إنْ سكنت القلب صارت له جذورًا، وإنْ حكمت السلوك صارت للإنسان جناحين. فليست الحياةُ مجرّد أيّامٍ تتعاقب، ولا سنواتٍ تُطوى في دفاتر العمر، بل هي رحلةٌ تبحث فيها الروح عن معنى، ويبحث فيها الإنسان عن أثرٍ يتركه، وعن نورٍ يضيء به الطريق لمن جاء بعده.
تبداء الرحلة من حيثُ لا نشعر، وتضعُنا منذُ الخطوةِ الأولى على محكِّ المعنى: هل نعيشُ لمجردِ البقاء، أم نعيشُ لنرتقي؟ وهل نمرُّ على هذه الأرض مرورَ العابرين، أم نتركُ فيها أثرًا يشبهُ الضوء، ويليقُ بالروح التي أودعها الله فينا؟
إنّ الحياةَ لا تُفتَحُ أسرارُها لمن يمرُّ بها بعيونِ الجسد وحدها، بل لمن ينظر إليها ببصيرةِ القلب، ووعيِ الروح، وتأمّلِ النفس في مقاماتها العالية. فهي لا تستقيمُ على وفرةِ المادة وحدها، ولا تُزهرُ بكثرةِ الأسباب الظاهرة فحسب، بل تقومُ في أصلها على دعائمَ خفيّةٍ من الأخلاق، وتستندُ في عمقها إلى قيمٍ إذا سقطت من حياة الناس، تهدّمت المعاني وإن بقيت المباني، وذبلت الأرواح وإن ازدحمت الأجساد بالحركة.
فالمبادئُ ليست ألفاظًا تُزيّنُ المجالس، ولا عباراتٍ تُستدعى عند الحاجة، بل هي الجوهرُ الذي به يثبتُ الإنسانُ حين تتبدّل الوجوه، وتضطربُ الموازين، وتشتدُّ فتنُ الطريق. هي القناديلُ التي لا تخبو في عتمات الحيرة، وهي العروةُ الوثقى التي إذا أمسكنا بها، منحَتنا من الثبات ما يشبهُ رسوخَ الجبال، ومن الطمأنينة ما يشبهُ سكينةَ المرافئ بعد طولِ اضطراب، ومن الامتدادِ في الأثر ما يشبهُ جريانَ النهر، يروي من حوله وهو صامت، ويمنحُ الحياةَ من ذاته دون ضجيج.
العدل ليس كلمةً تُقال في مجالس الحكمة، بل ميزانٌ إلهيٌّ تستقيم به الحقوق، وتطمئن به القلوب ؛ نعم إنه روحُ العالم حين يعتدل، والميزانُ الذي تُصانُ به الحقوقُ من الضياع، وتُحمى به الكرامةُ من الامتهان; . به يطمئنُّ الضعيف، ويكفُّ القويُّ عن بطشه، ويستقيمُ المجتمعُ على ساقٍ من السكينة لا على عكّازٍ من الخوف.
وكذالك التعاون، فهو الجسر الذي تعبر عليه الطاقات المتفرقة إلى إنجازٍ مشترك، واللغة الصامتة التي توحي بأن الإنسان لا يكتمل وحده، ولا ينهض وحده، ولا يُشيّد الخير وحده.
ونصرةُ المظلوم أيضا ، ليست موقفًا طارئًا بل هي اختبارُ الضمير في لحظةٍ حاسمة؛ أن ترى الحقَّ مثخنًا بالجراح فلا تُدير وجهك، وأن تشهدَ الظلمَ قائمًا فلا تختبئ وراء صمتٍ متأنّق؛ وكذالك امتحانُ لإنسانية الإنسان حين يُستفز، وصدقُ الإنسانيةِ حين تُواجه الظلم ولا تُساوم عليه؛ إنه الإعلان الصادق بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الظلم إذا تُرك اليوم على باب غيرك، طرق غدًا بابك
أما النزاهة فهي تلك الطهارة التي لا تُرى دائمًا، إنها شرفُ النفس حين تتّحد السريرةُ مع العلن، فلا يكون للمرء وجهان، ولا لسانان، ولا معياران لكنها تُشمّ في السيرة، وتظهر في المواقف، وتُلمَح في الأثر، وتُميز أصحاب النفوس الكبيرة عن المتزيّنين بلباس الصلاح، فهي عطرُ الأرواح الكبيرة، وجمالُ السريرة حين توافقُ العلن، وصفاءُ اليد حين تمتنعُ عن الخيانة ولو زُيّنت لها.
والإحسانُ هو المقامُ الأجمل؛ أن لا يكتفي المرءُ بأداء ما عليه، بل يُتقن، ويُجمل، ويجعل من واجبه رسالةً، ومن عمله عبادةً، ومن أثره بابًا من أبواب الخير.، هو مقام الأرواح الراقية؛ أن لا تكتفي بأداء الواجب، بل تضيف إليه جمال النية، وإتقان العمل، وصدق المقصد؛ إنه ذلك المقامُ الرفيع،الذي يجبر علي المرء أن يتجاوزَ الإنسان حدَّ الواجب إلى جمالِ الإتقان، وأن يصنعَ الخير لا لأنه مُلزَم، بل لأنه يرى في الإحسان صورةً من صور الشكر لله، وارتقاءً يليقُ بكرامة الروح.
وأمّا الرحمة، فهي من ألطف ما يُودَعُ في القلب، ومن أصدق ما يكشفُ معدنَ الإنسان. بها تلينُ النفوس بعد قسوتها، وتصفو المقاصد بعد اضطرابها، وتتحوّل الحياة من ساحةِ تنافسٍ باردٍ إلى موطنِ تراحمٍ يليقُ ببني الإنسان. هي التي تجعلنا نرى في آلام الآخرين شيئًا منّا، وفي انكساراتهم نداءً خفيًّا يوقظُ فينا إنسانيتنا النائمة. والتعاونُ، في أجمل صوره، ليس تقاسمًا للجهد فحسب، بل تواطؤًا نبيلًا بين القلوب على صناعة الخير، وإيمانًا عميقًا بأنّ يدًا واحدة قد تبدأ العمل، لكنّ الأوطان لا تُبنى إلا بأيدٍ تعرف كيف تتساند، وكيف تضع مجدها الفردي جانبًا حين يكون المقامُ مقامَ بناءٍ عام.
إن هذه القيم، كلّها، ليست طارئةً على الوجود، ولا رهينةً بزمنٍ دون زمن، ولا حبيسةَ جغرافيا دون أخرى؛ إنّها أنوارٌ منقوشةٌ على جبين الإنسانية، كلّما ابتعد الناسُ عنها طال ليلهم، وكلّما عادوا إليها اتّسعت في أرواحهم مساحاتُ الضوء.
إنها ليست مادةً للخطاب فحسب، بل زادُ النجاة حين تتيهُ القلوب، وبوصلةُ المعنى حين تختلط الطرق؛ إنها حقائقُ راسخة، ونورٌ خالد، ونداءٌ قديمٌ يتجدّد في كل قلبٍ حيّ. هي نجومُ الهداية في ليل الحيرة، ومرافئُ الأمان لسفن الأرواح حين تضطرب بها أمواج الدنيا.
لكنّ المأساة تبدأ حين تضيقُ الحياةُ في أعيننا، وحين ينكمشُ معنى الوجود حتى يُختزل في لقمةِ عيشٍ تُطلب، أو حاجةٍ ماديةٍ تُطارد، أو بقاءٍ جسديٍّ نظنّه الغايةَ الكبرى. عندها يبهتُ البعدُ الروحيُّ في الإنسان، وتذبلُ المعاني السامية في داخله، ويتحوّلُ شيئًا فشيئًا من روحٍ خُلقت لتعرفَ ربّها، وتعمرَ الأرضَ بالخير، إلى كائنٍ يلهث خلف الاستهلاك، ويقيسُ أيامه بما أخذ لا بما أعطى، وبما جمع لا بما نفع.
وهنا تكمنُ الخسارةُ الحقيقية: أن يرضى الإنسانُ لنفسه حياةً بلا معنى، وأن يقبلَ أن ينتهي كلُّ طموحه عند حدودِ البقاء. كأنما خُلق ليأكلَ ويشربَ ثم يمضي، لا رسالةَ يحمل، ولا أثرَ يترك، ولا نورًا يُورِّث. وما أقسى أن يعيشَ المرءُ طويلًا، ثم يكتشفُ في آخر الطريق أنه لم يعش حقًّا، بل مرّت به الأيامُ وهو مشغولٌ عنها، غائبٌ عن نفسه، بعيدٌ عن جوهره.
إنّ الفرقَ العظيم بين حياةٍ تليقُ بالإنسان، ووجودٍ لا يتجاوز حدود الغريزة، هو أن يسعى المرءُ إلى ما هو أرفع من ذاته، وأن يعملَ لما هو أبقى من مصلحته، وأن يجعلَ لرحلته القصيرة معنًى يتجاوزُ حدودَ اللحظة. فالحياةُ لا تكرمُنا بكثرة ما نملك، بل بصدقِ ما نكون. والإنسانُ لا يسمو بطول عمره، بل بعمق أثره، ونبل قصده، وجمال بصمته.
وليس الصعودُ إلى هذه المقاماتِ العالية أمرًا يُنالُ بالأماني، ولا تُدركه النفوسُ المترفةُ بالراحة. فكلُّ ارتقاءٍ له ثمن، وكلُّ نورٍ وراءه صبر، وكلُّ تميّزٍ صادقٍ خَلْفَه تعبٌ لا يراه الناس. فما من إنسانٍ بلغ مقامًا رفيعًا في الصدق أو الطهر أو المجد الإنساني، إلا وكانت خلف ابتسامته معاركُ خفية، وخلف سكينته مجاهداتٌ طويلة، وخلف بريقه الظاهر ساعاتٌ من الكفاح والصبر وكسر الهوى.
إنه جهادُ النفس حين تُغريها الشهوات، وصبرُ القلب حين يذوق مرارة التأجيل، وثباتُ الروح حين تلوّح لها الدنيا بزخارفها الفاتنة. وهو السهرُ على المعنى، والعملُ في صمت، والتجرّعُ المرير لأوجاع الطريق من أجل قيمةٍ تستحق، وغايةٍ تُنير.
وفي طريقِ السمو هذا، لا يكفي أن يعرفَ الإنسانُ نفسه، بل لا بدّ أن يعرفَها في ضوءِ الآخرين. فالوعيُ بالذات لا يكتملُ في عزلةٍ مغلقة، ولا ينضجُ في انكفاءٍ على النفس، بل يتشكّلُ أيضًا حين ننظر في مرايا التجارب، ونقارنُ بصدقٍ، ونتأملُ بإنصاف. فكثيرٌ مما نظنّه فينا قوةً أو ضعفًا أو إنجازًا، لا تتضح أبعاده حقًّا إلا حين نضعه في سياق الحياة الواسعة، ونبصر أنفسنا في ضوء ما حولنا، لا في ظلال أوهامنا وحدها.
ومن تأمل الناس بصدق، عرف أن الحياة لا تخلو من أولئك الذين يُجيدون ارتداء الأقنعة؛ يتكلّمون ببلاغة، ويتأنّقون في صياغة المعاني، ويُحسنون رسمَ صورةٍ براقة لأنفسهم، بينما يخفي ظاهرهم خواءً لا يسنده صدق، وعلمًا لا يعضده إخلاص، وثقافةً مستعارة لا روح فيها. وقد تخدعُ هذه الواجهاتُ الأبصارَ حينًا، وقد يلتبسُ الزيفُ بالحق إذا أُحسنَ تلميعه، غير أنّ البصيرةَ الصافية تظلُّ قادرةً على التقاط الإشارات الأولى، وإن لم تُفصح عنها اللغة.
لهذا كان لا بدّ للإنسان من شيءٍ أعمق من مجرّد التفكير، وأصدق من ظاهر الكلام: لا بدّ له من بصيرة. ذلك الصوتُ الخفيُّ الذي يهمسُ في الداخل حين تضجُّ الضوضاء في الخارج، وذلك النورُ الدقيق الذي يوقظ القلب حين تحتشدُ حوله الاحتمالات. فالحدسُ الصادق ليس وهماً، بل نفحةٌ ربانيةٌ، يمنحها الله قلبًا صقلته التجارب، وطهّرته النية، وهذّبته المعرفة، فصار يرى ما وراء الوجوه، ويلتقط من المعاني ما لا تقوله الألسن.
وهنا يظهر الفارقُ العميق بين من يعيشُ بقيمه، ومن يكتفي بالبقاء في حدود الجسد. فالحياةُ لا تُشرّفُنا بمجرّد وجودنا فيها، بل بما نبذله فيها من صدق، وما نحمله فيها من رسالة، وما نغرسه على أطرافها من أثرٍ طيّب. ليس المهمّ أن نعبر السنوات، بل أن تعبر السنواتُ بنا إلى مقامٍ أصفى، وأن تترك فينا من النضج ما يجعلنا أوفى للمبدأ، وأقرب إلى المعنى، وأرحم بالناس، وأصدق مع الله ومع أنفسنا.
وما كان الارتقاءُ يومًا طريقًا مفروشًا باليسر. فكلُّ مقامٍ رفيعٍ وراءه صبرٌ خفي، وكلُّ نورٍ ظاهرٍ خلفه ليلٌ طويل، وكلُّ سموٍّ حقيقيٍّ لا بدّ أن يمرّ من بوابةِ المجاهدة. ولو كان الورعُ يُنالُ بالأماني، أو المجدُ يُقطفُ من دون تعب، أو العظمةُ الإنسانيةُ تُشترى براحةِ الجسد، لكان الناسُ جميعًا في ذُرى الكمال. غير أنّ سنّةَ الحياة تأبى إلا أن تُخبّئَ وراء كلّ تميّزٍ صادقٍ تضحياتٍ موجعة، وخلف كلّ روحٍ سامقةٍ معاركَ لم يرها أحد.
فما أكثرَ ما يضطرُّ الإنسانُ، في طريقِ النبل، إلى كبحِ نفسه حين تتفلّت، وإلى غضِّ بصرِه عن زينةٍ عابرةٍ تعلمُه كيف يختار الباقي على الفاني، وإلى تجرّع مرارةِ الصبر وهو يعلمُ أن الثمرةَ لا تُقطفُ قبل أوانها. وما أكثرَ ما يُطالَبُ أن يحمل همَّه في صمت، وأن يواصل الطريق ولو أعياه، وأن يصون مبدأه ولو خذله القريبُ، وأن يبقى وفيًّا للحقّ وإن قلّ سالكوه. ذلك هو الثمنُ النبيل لكلّ معنى عظيم.
وفي هذا السير المضني نحو تحقيق الذات الأسمى، يتجلّى الوعيُ بالنفس كأحد أنبل مفاتيح النجاة. غير أنّ معرفة الإنسان بنفسه لا تكتملُ في عزلةٍ صمّاء، ولا تنضجُ في مرآةٍ لا تعكس إلا صورته وحدها. فالإنسانُ كثيرًا ما لا يرى حقيقة قوّته إلا حين يضعها في ميزان الحياة، ولا يلمحُ مواضع نقصه إلا حين تقف ذاته أمام ذواتٍ أخرى، وتجاربَ أخرى، وطرائقَ أخرى في الصبر والفهم والعبور. إنّنا لا نعرف أنفسنا حقًّا إلا حين نتأمّلها في ضوء الآخرين، لا لنذوب فيهم، بل لنكتشف حجمنا الحقيقيّ في هذا العالم، ومقدار ما ينبغي أن نهذّبه فينا، أو نحمد الله عليه.
ومن دروس الطريق أيضًا، أنّ الحياة لا تخلو من أولئك الذين يُحسنون صناعة المظهر، ويتقنون ارتداء الأقنعة، ويبرعون في هندسة الكلمات حتى تبدو الحقيقةُ على ألسنتهم أكثر لمعانًا من الحقيقة نفسها؛ يتكلّمون كثيرًا، ولكن القلوب لا تستريح إليهم؛ يصوغون العبارات بإتقان، لكنّ أرواحهم لا تُسند ما يقولون. وقد تُخدع الأبصار أحيانًا ببريق اللغة، وتلتبس الزخرفةُ بالصدق، ويبدو الزيفُ في أول الأمر في هيئة الحكمة. غير أنّ ما لا يقوله اللسان، كثيرًا ما تفضحه التفاصيل الصغيرة، وتكشفه نبرةُ الصوت، وارتباكُ الموقف، والتفاوتُ بين القول والفعل.
وهنا تأتي البصيرة، لا بوصفها رفاهًا روحيًّا، بل ضرورةً من ضرورات النجاة. البصيرةُ هي ذلك النور الهادئ الذي يُلقيه الله في القلب إذا صفا، فيرى به الإنسانُ ما وراء الظاهر، ويهتدي به حين تعجز الحسابات وحدها عن البيان. وكم من حدسٍ صادقٍ مرّ على القلب خفيفًا، ثم أثبتت الأيام أنّه كان أبصرَ من ضجيج المنطق المرتبك. فالحدسُ إذا استند إلى قلبٍ طاهر، ونفسٍ مهذّبة، وعقلٍ راشد، لم يكن وهمًا عابرًا، بل نافذةً يُطلّ منها الإنسان على شيءٍ من الحقيقة قبل اكتمال ظهورها.
ولهذا كان من تمام النضج أن نصغي إلى ما وراء الأصوات؛ أن نتعلّم قراءة الصمت كما نقرأ الكلام، وأن نفهم الوجوه كما نفهم العبارات، وأن نُدرّب أرواحنا على التقاط المعاني التي لا تُقال. فاللهُ سبحانه لم يجعل الإنسانَ عقلًا مجردًا، ولا قلبًا منفلتًا من التمييز، بل جعله كيانًا يتكامل فيه الإدراكُ والشعور، ويتعانق فيه البرهانُ والإلهام. فالعقلُ يُفكّر ويزن ويحلّل، أمّا القلبُ فيشعر ويؤمن ويبصر. وإذا صلح الاثنان، استقامت الرؤية، واطمأنّ القرار، وأصبح المرءُ أكثر قدرةً على أن يسلك دربه في نورٍ داخليٍّ لا تخدعه الزينة، ولا تستلبه الضوضاء.
ثم إنّ الأيام، على امتدادها، تُعلّمنا الدرسَ الأشدَّ عمقًا: ليس في هذه الحياة كمالٌ مطلق، ولا حرمانٌ مطلق. فليس كلُّ ما تمنّيناه كُتب لنا، وليس كلُّ ما أُخذ منّا كان شرًّا محضًا، وليس كلُّ تأخيرٍ خسارة، ولا كلُّ عطاءٍ محضَ فضلٍ بلا اختبار. إنّ في كلّ إنسانٍ مواضعَ امتلاء، ومواضعَ نقص، وأنّ سرّ السكينة كلّه يكمن في الطريقة التي ينظر بها المرء إلى ما بين يديه.
فهناك من يعيشُ شاكرًا لما أُعطي، فيتّسع قلبه، ويصفو نظره، وتصبح النعمةُ القليلة في يده عالمًا من الرضا. وهناك من يظلُّ أسيرَ ما حُرم، يقلب كفّيه على الفائت، ويحدّق طويلًا في الأبواب التي أُغلقت، حتى يعمى عن النوافذ المفتوحة، ويمرُّ العمرُ به وهو يظنّ أنّ الحياةَ لم تُنصفه، مع أنّها كانت تمدّ إليه أسباب الامتنان في كلّ صباح.
وخلاصةُ كلّ الأيام، أنّ الحياة لا تُقاسُ بما فقدناه منها، بل بما وعيناه فيها. وأنّ الإنسان لا يشقى دائمًا لقلة ما عنده، بل قد يشقى لأنه لا يرى ما عنده أصلًا. فمن عظّم نعمته، عاش ممتلئًا وإن قلّ نصيبه، ومن ظلّ أسيرَ حرمانه، عبرت به الحياةُ وهو يظنُّ أنّه عاشها، وما عاش منها إلا ظلالها.
فليس من طبع الحياة تمامُ الحظوظ، ولا من سُنّتها كمالُ الأشياء؛ فيها منحةٌ تُبهج، ومحنةٌ تُهذّب، وفيها أبوابٌ تُفتح، وأخرى تُوصَد، ولكنّ النجاة كلّ النجاة أن تعرف كيف تحمد ما أُعطيت، وكيف تصبر على ما مُنعت، وكيف تمضي في الطريق بقلبٍ راضٍ، لأنّ الرضا وحده هو الفنُّ الرفيع الذي يجعل الإنسان يعيش الحياة حقًّا، بدل أن تمرَّ الحياةُ به دون أن يشعر.
فليست الحياةُ مجرّد أيّامٍ تتعاقب، ولا سنواتٍ تُطوى في دفاتر العمر، بل هي رحلةٌ تبحث فيها الروح عن معنى، ويبحث فيها الإنسان عن أثرٍ يتركه، وعن نورٍ يضيء به الطريق لمن جاء بعده؛، حقيقتها أنها رحلةُ عبورٍ بين عطايا تُبهجُ القلب، وابتلاءاتٍ تُهذّبُ الروح، وبين ما نرجوه لأنفسنا وما يُراد لنا بحكمةٍ لا نحيطُ بها ؛ غير أنّ أجمل ما في هذا العبور، وأثمن ما فيه، ليس طولَ الطريق ولا كثرةَ ما نحصّل، بل نوعَ الأثر الذي نتركه خلفنا، والنورَ الذي نحمله في داخلنا ونحن نمضي.
✍️:د.جلا الدين يوسف أحمد
من خواطر سباق الزمن بخطوات مبعثرة.
دونت عام ٢٠٢٣

