خاطرة وتأمل حول قوله تعالى: «فما ظنَّكم بربِّ العالمين»

تطرق الآية الكريمة باب القلب بخفةٍ حازمة، فتستقيظ النفوس من غفلتها وتسمع نداءً لا يقبل السهو: «فما ظنَّكم بربِّ العالمين». ليست هذه العبارة مجرد سؤال لغوي، بل مرآةٌ صافية تُعيد للإنسان مقاسه عند خالقه، وتعيد ترتيب خريطة أمله في عالمٍ يضجُّ بالضجيج والشكوك.

كأنّ هذا السؤال القرآني العظيم: ﴿فما ظنّكم بربِّ العالمين﴾ لا يُتلى على الآذان فحسب، بل يُقرَع به باب القلب مباشرة؛ يأتيك في لحظة صدق، حين تبهت الحيل، وتضيق الهموم، ويتكاثر في صدرك السؤال الخفي: إلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟
هناك، في أعمق نقطة من روحك، يُلقى هذا السؤال الإلهي؛ لا ليختبر معرفتك، بل ليكشف لك حقيقة ظنّك بربّك.

أيُّ ظنٍّ يليق بربٍّ خلقك من ضعف، ثم حملك في طريق الحياة بلطفه، وأخرجك من عثرات لم تعلم كيف نجوت منها، وستر من زلاتك ما لو كُشف للناس لهلكت خجلًا قبل أن تهلك ذنبًا؟
أيُّ ظنٍّ يليق بمن يعلم خفايا قلبك، يسمع أنينك الذي لا تبوح به، ويرى دمعتك قبل أن تسقط، ويكتب لك من العناية في الغيب ما لو رأيته لذبت شكرًا وخجلًا؟

حسن الظنّ ليس ترفًا عاطفيًّا، بل عبادةٌ من نور؛ يقينٌ يعمل في العتمة كقنديلٍ صغير يسبقك خطوةً بخطوة. من أحسن الظنَّ بربّ العالمين رأى في الضيق مخارج، وفي الهمّ بشائر، وفي التأخير لُطفًا مستورًا عن عجلة العقل. يعطي الله برحمة، ويمنع بلطف، ويبتلي بدواءٍ خفيّ، ثم يُريك عند انكشاف الغمّة أن يدَه كانت تعمل من وراء الستار: هنا كان اللطف… ولكنّك لم تكن تراه.

ما ظنّك بربٍّ ستر زلّتك ثم لم يفضح، وسمع نجواك قبل أن تتحرّك شفتاك، وعرف حاجتك يوم لم تعرفها لنفسك؟ ما ظنّك بمن يفتح للأبواب المغلقة مفاتيح من حيث لا تحتسب، ويجعل من أضعف خيطٍ جسرًا متينًا نحو السلام؟ إن ظننتَ خيرًا وجدت الخير يصاحب خُطاَك، وإن رفعتَ سقف رجائك وجدت السماء أوسع من همومك.

ترتفع الآية من علوٍّ رحماني، تمدّ يدها إلى أعماق الروح حيث تختبئ خيبات الدهر وهموم المقادير. هناك، حيث يبقى الألم وحده شاهداً، تقول لك بصوتٍ رقيقٍ قويّ: ارفع ظنك بربك. فحين يكتنف القلب يقينٌ بأن الربّ أقربُ من الحبلِ الوريدي وألطفُ من أَمْنكَ على نفسك، يتبدّل منظر الدنيا: تُستبدَل الاضطرابات بالسكينة، وتنكشف أبواب النجاة التي ظننتها مغلقة.

كثيرًا ما يضع الله في رحم الابتلاء بذرةَ فرجٍ لا نُبصرها. تسقط دمعةٌ في الليل، ولا تدري أنّها تفتح لك صباحًا جديدًا. تُغلق نافذةٌ في وجهك، وتنسى أن الجدار نفسه قد صار قبلةً لندائك. تمضي الأيام، ثم يجيء الموعد، فتتلفّت إلى الوراء وترى الخيط الذي جمع الفُتات، وتعرف أن الرعاية لم تفارقك لحظة.

وإن كلّ ابتلاءٍ يمرّ على العبد هو رسالةُ رحمةٍ مُعلّبة في ألم؛ يدعوها إلى الاقتراب، ويهمس له: «أنا معك». ليست المحنة نهاية الطريق بل حالة تعليم: تُعرف فيها قدرات النفس وتُختبر مرونة الإيمان. من أحسن الظنّ بالله رأى في الضيق مخرجاً، وفي التأخير لطفاً، وفي الصمت دعاءً مخبوءاً سيُستجاب في وقته.

تُحاكي الآية فطرَ القلب وتؤسسُ لعبادةٍ هادئةٍ اسمها «حسن الظنّ». هذه العبادة ليست مجرد تفاؤلٍ سطحي، بل قناعةٌ تزرع في القلب قوّةً تدفعه إلى التجلّد أمام المحن وطمأنة النفس عند الجدب. من ظنّ بربه خيراً، صار كلشىء من حوله مرآةً للرحمة: البلاءُ تحول بشعوره إلى تربية، والبعدُ إلى قربٍ مستتر، والندمُ إلى بابٍ مفتوح للتوبة.

الله جلّت صفاته رفيقٌ لطيفٌ، رؤوفٌ رحيم. لا يترك من لجأ إليه، ولا يخيب من علّق رجاءه به. إن الذي جعل ظنه بالله جميلاً، جعل له من كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل خوفٍ أمناً، ومن كل ظلمةٍ نوراً. وكأنّ الآية تُربت على قلبك قائلةً: «ظنّك بربِّك يصنع مصيرك».

هذه الآية ليست نصاً يُتلى فحسب، بل مرآة يكتشف فيها القلب مقامه عند ربه. فبقدر ما يمتلئ القلب حسنَ ظنٍّ بالله، بقدر ما تتسع فيه الحياة وتستقيم الدروب، ويتحوّل الضيق إلى باب، والتأخير إلى لُطف، والابتلاء إلى رسالة مكتوبة بالحكمة:

من أودع قلبه هذا اليقين، رأى في كل عُسرٍ يُسراً، وفي كل محنةٍ منحة، وفي كل ظلمةٍ خيط نور يقوده إلى برّ الطمأنينة. ومن رفع ظنّه برب العالمين، رأى الخير ينساب في حياته بغير حساب، وتكشّفت له مخارج لم تخطر على بال، حتى يغدو عاجزاً عن تفسير كيف انفكّت العقد، وكيف لانت الأقدار.

إن حسن الظنّ بالله ليس مجرّد شعور عابر؛ إنّه عبادة من نور، تحرّر القلب من خوفه، وتنقله من ضجيج العالم إلى سكينة الثقة. حين تقول في سرّك:

وليس حسن الظنِّ استسلامًا باردًا، بل توكّلٌ يعمل مع السعي، وقلبٌ يطرق باب السماء ويداه في عمل الأرض. تمشي وتثق، تبذل وتطمئن، تُخطّط وتُنيب. فإذا جاء العطاء، شكرْت، وإذا تأخّر، صدّقت أنّ في الغيب ترتيبًا أرحم بك من استعجالك. وإذا اعتراك الخوف، قلت لنفسك: إنّ ربّي لطيفٌ لما يشاء، ولن يتركني بين يدي القدر وحيدًا.

ما ظنّك بربٍّ إذا أعطى، أعطى من خزائن لا تنفد، وإذا منع، منع ليحمي، وإذا أخذ، أخذ ليُطهّر، وإذا ابتلاك، هيّأ لك في وسط الألم سُلّمًا إلى مقام أقرب، ودعاءً أصدق، وقلبًا ألين؟
ما ظنّك بربٍّ يُسيّر هذا الكون كلّه بحكمة، ثم يترك قلبًا تعلّق به بلا جواب؟
ما ظنّك بربٍّ يُدير أفلاك السماوات، ثم يعجز عن أن يجبر كسرك الخفي في اللحظة المناسبة لك لا لهواك؟

“فما ظنّكم بربّ العالمين؟”

إنه سؤالٌ يصنع المصير. من ظنّ بربّه خيرًا، صاغ الخيرُ حوله تفاصيل الطريق. ومن صدّق بلطفٍ لا يُرى ورحماتٍ لا تُحصى، عاش في ظلّ طمأنينةٍ لا تهزّها العواصف. ومن علّق رجاءه بالله، كفاه، وجعل له من كلّ عُسرٍ يُسرًا، ومن كلّ خوفٍ أمانًا، ومن كلّ ظلمةٍ نورًا.

حين تطمئنُّ روحك إلى لطفٍ لا تُدركه العيون، تتبدّل لغة الزمن: يصبح التأخير حكمة، والابتلاء دواءً، والغياب ترتيباً لشيءٍ أجمل. لا يُقاس الإحسان الإلهيّ بمظهر الأحداث وحده، فثمّة حكمةٌ خلف كلِّ تغييرٍ، ونعمةٌ خفيّةٌ تتلوّن بها الأيام إن ربطت قلبك بالرجاء.

هذه الدعوة إلى حسن الظنّ ليست دعوة للغفلة، بل لليقظة الرقيقة: يقظةٌ تسمح لك بأن ترى في كلِّ حدثٍ نبأً رحمانيّاً. لا أكثرَ ما يريحه قلب المؤمنُ أن يؤمن بأن ما أصابه مكتوبٌ بحكمةٍ، وأن اليد التي كتبت الكتاب أرحمُ منه أن يترك عبدها لمصيره دون حكمته ولطفه.

“ظنّك بربك يصنع مصيرك.”

فمن ظنّ برب العالمين خيرًا، وجد الخير ينساب في طرقه، ويُرافق خطاه، ويُبدّد عنه كل ما يخشاه.

“فما ظنّكم بربّ العالمين؟

ظنٌّ جميل… ينجّي، ويرفع، ويُفلح

ليكن ظنك بحجم عطاءه، لا بحجم همومك؛ ولتزداد داخل الصدر يقيناً وسلاماً، فتسير في الحياة معتصماً برحمةٍ أعظم مما تتصوّر.

بقلم ✍️: الدكتور جلال الدين يوسف أحمد

تأملات ووقفات مع ايات الله

Leave a Reply

Scroll to Top

Discover more from Dr Abdulrazaq Yusuf Ahmed | Dr Jalaaludiin

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading