إن مهنة التعليم هبةٌ ورسالةٌ ومسؤوليةٌ اجتماعيةٌ ذات مكانةٍ خاصة في مسيرة نهضة شعبنا. هي عملٌ موسومٌ ببناء الأجيال الناشئة ورعايتها وهدايتها؛ لا تنحصر في تلقين مهارات المعيشة فحسب، بل هي أصلٌ في تشييد الشخصية وترسيخ القيم وإشاعة مكارم الأخلاق. المعلم عمادُ الظهر وأُسُّ الأعمدة التي تقوم عليها مشاريع النهوض والارتقاء؛ هو هادي الطلاب والصغار والأمة، صانعُ القادة والعلماء، ومفتاح التحوّل الرشيد في كلِّ مجتمع
والمعلم في الصومالِ اليوم ليس موظفًا عابرًا، ولا صاحبَ مهنةٍ كباقي المِهن؛ بل هو روحٌ تمشي على الأرض، تحملُ في يديها مصيرَ أجيالٍ بأكملها. مهنة التعليم عندنا هبةٌ ربانية، ورسالةٌ إنسانية، ومسؤوليةٌ اجتماعية ذات مكانةٍ خاصة في تاريخ نهضة شعبنا ومشروع مستقبله.
فالتعليم لا يقتصر على تلقين الحروف والأرقام، ولا على إعداد الإنسان لمهارات المعيشة فقط، بل هو قبل ذلك وبعده تشييدٌ للشخصية، وترسيخٌ للقيم، وغرسٌ لمكارم الأخلاق. المعلم هو عمادُ الظهر، وأساسُ الأعمدة التي تقوم عليها أيُّ نهضة؛ هو هادي الأطفال والناشئة والأمة، صانعُ القادة والعلماء، ومفتاحُ التحوّل الرشيد في المجتمع.
يحمل المعلم رسالةً عالمية هي من أشرف الرسالات، ويُسند إليه في الحقيقة همُّ المجتمع بأكمله. ومكانته السامية تُقاس بما يحمله الناس له من إجلالٍ وتوقير؛ لأنّه حاملُ العلم، وموصِلُه إلى الناس. بالعلم الذي يحمِله المعلّم تحيا العقول بعد خمول، ويشرق المستقبل بعد عتمة، وتزهو الأوطان وتخضرّ بعد قحطٍ طويل.
يكفي في بيان منزلته أن رسول الله ﷺ أخبرنا أنّ الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر، يُصلّون على من يعلِّم الناسَ الخير؛ فكيف بمن جعل عمره كلَّه في تعليم الأجيال وتربيتهم؟ احترام المعلّم إذًا ليس مجاملةً اجتماعية، بل هو واجبُ دينٍ وعقلٍ وضمير؛ فجهده هو الذي يقي المجتمع من الجهل والفساد، ويحمي الأجيال من الانزلاق إلى مهاوي الضياع والانحراف.
المعلّم هو الجندي المجهول لنهضة المجتمع، وعلى عاتقه تقع مسؤولية نجاح الأفراد والمؤسسات. لذلك فإن تحسين مكانة المعلّم هو المدخل الأول لأيّ تنميةٍ حقيقية:
تحسينُ شروط عمله، وتقديرُ جهده، وإشراكُه في الحوار التربوي، وتوفيرُ الموارد والأدوات التي يحتاجها في العملية التعليمية، وتمكينُه من التدريب المستمرّ والدورات المتخصصة؛ كلّها ليست ترفًا، بل هي استثمارٌ مباشر في مستقبل الوطن.
المعلم رائد المجتمع وحامل همّ الحاضر وباني ملامح المستقبل؛ لا يقدِّم المعرفة وحدها، بل يهدي طلابه أدوات التفكير الرشيد، ويغرس فيهم روح الاجتهاد، ويدلّهم على مكارم الأخلاق، ليكون حصادُ عمله مجتمعًا متماسكًا، راقيًا، نبيلاً في مقاصده ومساره.
إننا اليوم ؛ يوم المعلّم الصومالي، نقف إجلالًا لأبطالٍ نذروا أعمارهم لبناء الإنسان. رجالٌ ونساءٌ حملوا همّ الوطن في حقائبهم، وسافروا بين المدارس والقرى والمدن ليبذروا العلم في أرضٍ تحتاجه كما يحتاج القلب لنبضه. هذا اليوم ليس احتفالًا عابرًا، بل هو تجديدٌ للعهد بأنهم أساس النهضة، وجذوة المستقبل، وعِماد كلّ ما نرجوه من تقدّم.
وفي هذا السياق، يبرز في سيرتي وحياتي نموذجٌ تربويٌّ لا يشبه غيره، رجلٌ تجسّدت فيه روح المعلّم الصادق: والدي الأستاذ يوسف أحمد . أفنى عمره في التعليم، لا يطلب مالاً ولا جاهًا، بل كانت رسالته أن يبني الإنسان، وأن يترك أثرًا لا يزول. تنقّل بين مراحل التعليم كلّها؛ من الأطفال الصغار الذين كان يحكي لهم قصصًا تربوية تصوغ وعيهم البريء، إلى طلاب المدارس الذين منحهم ثقةً وقدرةً وحلمًا أكبر من أعمارهم، ثم إلى طلاب الجامعات والدراسات العليا الذين وجدوا فيه الأستاذ الخبير، والموجّه، والباحث المدقّق الذي لا يتعب من الإشراف ولا يملّ من النصح.
كان أبي يوسف أحمد يملك موهبةً فريدة في تربية المراهقين واحتوائهم، يعاملهم بصبرٍ الأب وحنانِ الصديق، حتى أحبّوه ووجدوا فيه القدوة والمُلهم. وقد حباه الله لسانًا مؤثرًا وعقلًا راجحًا وروحًا نقية، جعلت من حضوره في المدرسة والجامعة بركةً وتوفيقًا. ترك وراءه أثرًا خالدًا في التعليم الصومالي، وميراثًا من القيم والمعرفة لن يزول ما دامت الأجيال تتعلم.
كان أبي قريبًا من قلوب الصغار قبل الكبار. يلاعب الأطفال، يغوص في عالمهم، ينسج لهم قصصًا تنمو معها أخلاقهم كما ينمو خيالهم. وكان حكيمًا مع المراهقين، يعرف مفاتيحهم، ويحتوي هشاشتهم، ويعيد تشكيل طريقهم كلما تاهوا. وحين يقف أمام طلاب الجامعات، يتحوّل إلى عالمٍ ومعلمٍ ومرشدٍ، يطوّر مادته العلمية، ويبتكر أساليب جديدة في الشرح، ويغرس فيهم روح البحث والفضول العلمي.
وأشهد كما يشهد كثير من تلاميذه أن أثره لم يكن عابرًا. رجالٌ ونساءٌ اليوم في أعلى المراتب العلمية والمهنية لا يزالون يذكرون بصوته، وبابتسامته، وبكلماته الصادقة، تلك اللحظات التي غيّرت مصائرهم. ارتقى جيلاً بعد جيل حتى صار معلّمًا للدكتورا، ومربّيًا للباحثين، ومؤسسًا لوعيٍ علميٍّ متين في مجتمعٍ كان بحاجةٍ ماسّة إلى أمثاله.
كان أبي نموذجًا ناصعًا للمعلّم الصومالي: ثابتٌ على قيمه، مخلصٌ لدينه، صادقٌ في انتمائه، وراسخٌ في عطائه. بذل عمره في خدمة التعليم، فبنى عقولًا لا تُحصى، وربّى أجيالًا لا تُعدّ، وأسهم في صون هويةٍ معرفيةٍ وثقافيةٍ يتقوّى بها الوطن.
في ذاكرة الصوماليين، يظلّ المعلّم قيمةً لا تُجارى، ورفعةً تأبى أن تُمسّ، ومقامًا يعلو على كلّ مقام. هو النور الأول في دروب الطفولة، واليد التي تفتح للعقول نوافذ المعرفة، وصوت الحكمة الذي يهدي الخطى في لحظات التشكّل. مهنة التعليم ليست عملاً اعتياديًا، بل هبةٌ ورسالةٌ ومسؤوليةٌ تحمل في جوهرها سرّ النهضة وروح البناء. فالمعلّم لا يكتفي بأن يزوّد الأجيال بمهارات الحياة، بل يبني شخصياتهم، ويغرس فيهم القيم الراسخة، ويشيّد بهم مستقبل الأمة.
العلم الذي يحمله المعلّم حياةٌ للعقول، وضياءٌ يبدّد ظلمات الجهل، وماءِ حياةٍ تحيا به الأرض بعد جدب. به تنهض المجتمعات، وتتقوّى الأمم، وتتحرّر النفوس من سطوة الجهل وضيق الأفق. وما دام العلم مفتاح العمران، فإن المعلّم هو من يحمل هذا المفتاح بثباتٍ وصدقٍ وإخلاص. وفي الحديث الشريف ما يرفع مكانته إلى ذروة الشرف:
إنّ الحديث عن المعلم في الصومال هو حديثٌ عن الكرامة الوطنية، وعن جوهر الإنسان الذي يزرع ولا ينتظر الحصاد، يعطي ولا يطلب المقابل. هو العمود الفقري للمجتمع، والجسر الذي تعبر عليه الأجيال من ظلام الجهل إلى نور الحضارة.
لهذا، حين أحتفي اليوم بالمعلّم، فإنّي أحتفي أولًا بالذين صنعوا طريقنا، ووهبونا نور الكلمة. أحتفي بكلّ معلّم صومالي وقف في فصلٍ متواضع، أو في جامعةٍ ناشئة، أو في مدرسةٍ ريفية بعيدة، يحمل حلم الوطن في قلبه وطبشورته في يده. وأحتفي أيضًا بوالدي الذي كان معلّم حياتي؛ علّمني معنى العلم، ووهبني روح البحث، وغرس في داخلي يقينًا أن المعرفة عبادة، وأن خدمة الناس شرفٌ لا يعلوه شرف.
يبقى المعلّم في الصومال ركنًا أصيلًا من أركان الأمة. هو حارس الهوية، وباني الثقافة، ومهندس النهضة. من حقه علينا أن نصون مكانته، وأن ندعمه، وأن نوفّر له ما يستحقّ من تقديرٍ ورعايةٍ ودعمٍ مهني. فبقدر ما نرفع المعلّم، نرفع الوطن، وبقدر ما نحمي رسالته، نحمي مستقبل أبناءنا.
وهذا اليوم، يوم المعلّم، ليس نهاية قصة… بل هو بداية عهد جديد مع العلم، ومع رموزه، ومع مناراته، ومع أولئك الذين صنعوا أيامنا الأولى وفتحوا لنا أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها.
هذه المدونة تحيةٌ خالصة لكلّ معلّمٍ صومالي…
وتحيةٌ أعمق وأصدق لوالدي الأستاذ يوسف أحمد رحمة الله عليه والذي سيظلّ قدوةً لا تغيب، ونموذجًا للمعلم الذي يبني وطناً كاملًا، بدفء قلبه ونبل رسالته.
ففي يوم المعلّم الصومالي، نجدد العهد أن نرفع راية العلم، وأن نصون مكانة المعلم، وأن نعلّم أبناءنا أن أول من يستحق التحية هو الذي علّمهم كيف يقرأون الحياة.
رحم الله المعلمين الذين رحلوا، وبارك في أحياءٍ ما زالوا على ثغور العلم ساهرين، يضيئون الدرب لأمةٍ تبحث عن النور.
✍️د.جلال الدين يوسف أحمد
يوم المعلم الصومالي ٢١/١١/٢٠٢٥

