حين تُبصر الروح ما لا تقوله الوجوه
ما أبهى البصيرة حين تستيقظ في القلب بعد طول غفلة، فتفتح للروح نافذةً لا تراها العيون، وتكشف لك ما وراء الابتسامات المصقولة، والكلمات المعسولة، والمجاملات التي تُشبه العطر في ظاهرها، وهي في باطنها دخانٌ يخنق النقاء. ما أعظم أن يمنحك الله نورًا داخليًا لا يخدعُه لمعان الوجوه، ولا تُسكِره حلاوة الألسنة، ولا يجرّه التملق إلى هاوية الثقة العمياء.
فليست كل يدٍ امتدت إليك كانت تُصافحك حبًا، وليست كل كلمةٍ قيلت في حضرتك كانت صادقة، وليست كل ابتسامةٍ أُهديت لك كانت من قلبٍ يراك. بعضهم لا يراك إلا حين يحتاجك، ولا يتذكرك إلا عندما تنكسر أبوابهم، ولا يعرف طريقك إلا إذا ضاقت بهم الطرق. يأتونك وفي أيديهم شظاياهم، وفي أصواتهم انكسار، وفي وجوههم ملامح الحاجة، فتفتح لهم قلبك، وتمنحهم وقتك، وتُرمم ما تهدّم فيهم، فإذا استقامت أمورهم، مضوا كما يمضي العابرون، دون التفات، ودون امتنان، وكأنك لم تكن يومًا جسرًا عبروا عليه من وجعهم إلى أمانهم.
وهنا لا تحزن كثيرًا؛ فليست الخسارة أن يُغادرك من لم يعرف قدرك، بل الخسارة أن تبقى طويلًا في مكانٍ لا يليق بروحك، وأن تستمر في منح دفء قلبك لمن لا يرى فيك إلا منفعة مؤقتة. إنّ بعض العلاقات لا تنتهي لأنها فشلت، بل لأنها كشفت حقيقتها، وبعض الخيبات ليست طعنات قاتلة، بل رسائل إلهية تُعيدك إلى وعيك، وتضع أمام عينيك المرآة التي كنت ترفض النظر فيها.
ما أشدّ قسوة المنافق حين يلبس ثوب الوفاء، وما أخطر المتملق حين يقترب منك باسم المحبة، وهو لا يحمل لك في داخله إلا حسابات المصلحة. إنّ المنافق لا يأتيك بوجهه الحقيقي؛ بل يأتيك مقنعًا بالاهتمام، متدثرًا باللطف، مُتقنًا فن الاقتراب، بارعًا في اختيار الكلمات التي تُطمئنك حتى تُسلمه مفاتيح قلبك. لكنه، حين يأمن جانبك، يبدأ وجهه الآخر بالظهور؛ وجهٌ لا يعرف الوفاء، ولا يحفظ الود، ولا يصون الغياب.
ومن أعظم دلائل البصيرة أن تسمع الإنسان كيف يتحدث عن غيره في غيابهم. فاللسان الذي يسكب عيوب الناس أمامك اليوم، سيحمل عيوبك إلى غيرك غدًا. ومن أهدى إليك عرض أخيه ليُضحكك أو يُقربك منه، فلا تأمن أن يُهدي عرضك يومًا للغرباء. إنّ الغيبة ليست مجرد كلامٍ عابر، بل نافذة تُطل منها على قبح السريرة، ومرآةٌ صادقة تكشف لك معدن صاحبها. فوا أسفًا على من يطرب لسماع السوء عن الناس، وهو لا يدري أنه القادم في طابور الحديث، وأن الدور الذي يشهده اليوم متفرجًا قد يجد نفسه غدًا بطلًا فيه.
كن مراقبًا حكيمًا، لا مستمعًا غافلًا. لا تنخدع بمن يُجيد ذم الآخرين ليُثبت لك أنه مخلصٌ لك؛ فالوفاء لا يُبنى على خيانة غائب، والمحبة لا تُبرهن بإسقاط الآخرين. إنّ أسمى مراتب النضج أن تقرأ نوايا الأرواح قبل أن تفضحها الأفعال، وأن تُنصت لما وراء الكلام، لا للكلام وحده. فالأفواه قد تُجامل، والعيون قد تُراوغ، لكن المواقف لا تكذب طويلًا.










