مراثي الخُذلان: حين يضحك الظلّ على جراحك:
في اللحظةِ التي ظننتُ فيها أنَّ ظهري مسنود، اكتشفتُ أنَّ السندَ خنجرٌ مخبَّأ في ابتسامة. تعلّمتُ أنَّ بعضَ الوجوهِ تُتقنُ التلاوة على مِحرابِ الأخلاق، بينما قلوبُها تُخالفُ ما تتلو؛ تُزيِّن الفضيلةَ على ظاهرها، وتُضمرُ نفاقًا لا يخطئه بصير. يحدّثونك عن حُرمةِ العِشرة ووفاءِ الخُبزِ والمِلح، فإذا هُم أوّلُ من يدهسُ العهد، ويُسابقُ إلى نقضِ الوصال؛ لا يَرى في الناس إلا مفاتيحَ مصالحِه، فإن انقطعَ نفعُك سقطَ قدرك، وكأنَّ المودّةَ لم تكن. ففي مواسمِ الشدّة تذوبُ الأصباغُ عن الوجوه، فتبدو الحقائقُ عاريةً من كلّ تزويق. كم ظننّا أناسا على خيرٍ لِصدقِ ظاهرهم، فإذا الأيامُ تكشفُ لنا باطنًا يُخالفُ ما بدا، وقلوبًا تلبسُ ثوبَ الفضيلة وهي مغموسةٌ في النفاق، بعيدةٌ عن كلِّ خُلقٍ كريم. يحدّثونك عن صونِ العِشرة، فإذا كانوا أوّلَ من خانها؛ يرفعون شِعار الأمانة، فإذا هم أبعَدُ الناس عن أن يُؤتَمنوا؛ يشكون أهلَ المصالح، وهم في الحقيقة أوّلُ الساعين إليها: لا يرون في الخلقِ إلا أبوابًا لمآربهم، فإن انقطعَ نفعُك سقطَ قدرك، وإن أغلقتَ بابًا دون رغائبهم أغلقوا قلوبهم دونك، كأنّ المودّة لم تكن، وكأنّ المعروفَ لم يُبذل. في أسوأ لحظاتي، حين كانت الروح تترنّح تحت أثقال الظلم والقهر، مددتُ قلبي كجسرٍ إلى صديقٍ ظننته ملجأً، أسندتُ ظهري إلى اسمه، ووهبتُه أغلى ما أملك: وقتي وثقتي وقطعةً من نفسي. فلمّا دارت بي الدوائر، كان أوّل الواقفين ضدي، لا معي؛ شمتَ بجراحي، وأفشى ضعفي، وزاد إلى محنتي محنة، وإلى دموعي قهقهاتٍ هستيرية وضحكاتٍ شيطانية، كأنّ الألم لا يكتمل إلا إذا علا فوقه صخبُ الخذلان. تعلّمتُ يومها أنّ للبشرِ وجوهاً من قماشٍ رقيق: قفازُ فضيلةٍ يُخفي كفّ نفاق، وحديثٌ مُنمّقٌ عن المروءة يصحبه فعلٌ يخونها. رأيتُ من يُطنب في صون العِشرة، فإذا هو أوّل من ينقضُها، لا يرعى معك خُبزاً ولا مِلحاً، كأنّ ما قاله بالأمس لم يكن إلّا ريحاً مرّت. رأيتُ من يتغنّى بالأمانة وهو أبعدُ من أن يُؤتمن، ومن يلعن أهل المصالح فإذا به واحدٌ منهم؛ يرى الخلقَ أبواباً لمآربه: ما دمتَ وسيلةً لبلوغ ما يريد، فلك قدرٌ عنده، فإذا انقطع نفعك أُغلق الباب وأُغلق معه قلبه، وكأنّ المودّة لم تكن، والمعروف لم يُبذل. وأنا وأعترف إذ أخطأتُ حين بالغتُ في التنازل، وحين خضتُ جهاداً طويلاً لألاّ أُرى بعين السوء في أعين من لا يراني أصلاً. طاردتُ رضاهم على حساب نفسي، قدّمتُ لهم الظنَّ الحسنَ وثِقْتُ أنّ النوايا الطيبة تكفي لتُصلح ما تُفسده الظنون. كم كان ذلك ظلماً لنفسي! فالقلوب التي لا تصدّقك، لن تُصدّقك ولو أقمتَ لها ألف برهان؛ ومن لا يرى نورك لن يراه ولو جعلتَ الشمس في كفّه. وأشدُّ ما يَوجعُ أن تأتي الطعنةُ من صديقٍ بذلتَ له الغاليَ والنفيس، وقاسمتَه الروحَ قبلَ المتاع، ثمّ خانكَ في اللحظةِ التي كنتَ فيها بأمسِّ الحاجةِ إلى كتفِه. لم يكتفِ بأن يَتخلّف عن نصرتِك، بل اصطفَّ مع الظلمِ والقهر ضدّك، وأعان عدوَّك عليك؛ كشفَ ضعفَك، وشمِت بجُرحك، وألقى على أنينِك قهقهاتٍ هستيريةً وضحكاتٍ شيطانيةً تُضاعفُ الوجع، كأنَّ قلبَه لا يعرفُ لِلرِقّةِ بابًا ولا للوفاءِ سبيلًا. وما كان الذي جرى – لو لقي قلبًا منصفًا – إلا سُوءَ فهمٍ يعودُ عتابًا رقيقًا يُصلحُ ما بين المحبين ويردُّ الوُدَّ إلى مجراه؛ غير أنّ من نوى خسارتك لا يفتّشُ عن عذرٍ ليُبقيك، بل يختلقُ ألفَ ذريعةٍ ليُقصيك. ثمّة خطأٌ فادحٌ اقترفناه بحقِّ أنفسِنا حين أفرطنا في التنازل، وركضنا نُبرهنُ في غيرِ موضعِ برهان على حُسنِ نوايانا لمن لا يرى فينا إلا شبهةً واتّهامًا. سعينا وراءَ رضاهم على حسابِ سلامِنا، ظنًّا أنّ ذلك يُقرّبُنا ويُصلحُ ما تُفسده الظنون؛ فإذا بالنتيجةِ أن تكسّرتِ النفسُ في الداخل، وتراكمَ الغبارُ على المرآةِ حتى لم نعد نرى صورتنا كما ينبغي. إنّ محاولتك أن تُقنع من عقدَ عزمه على إساءة الظنِّ بك ليست من الكرم، بل من الظلمِ لنفسك؛ والرحمةُ بالنفسِ أوّلُ أبوابِ الرحمةِ بالآخرين. كان موجعًا أن أرى من ظننته أقرب الناس يصطف إلى الخلاف لا إلى جانبي، يؤثر الجفاء على مودّتي، كأنّ ما كان بيننا لم يكن. وما الذي حدث أصلًا؟ سوء فهمٍ عابر، لو لقي قلبًا منصفًا لارتدّ عتابًا رقيقًا، يردّ الوُدّ إلى مجراه، ويغسل الغبار عن الطريق. لكن لأنه كان قد قرّر أن يخسرني، لم يُفتِّش عن عذرٍ يُبقيني؛ صنع ألف ذريعةٍ تُبرّر له إقصائي. هكذا هي القلوب عندما تنوي الفراق: تُتقن صناعة الحجج. ومن أرادك احتملك بكل ما فيك، ومن أراد فراقك اختلق ما يُسوِّغ لنفسه هجرانك. لا أنكر أثر تلك الطعنة على نفسيتي وعقلي. حين يتضاعف ثقل الهمّ بضحكاتِ الشماتة، يتصدّع داخلك شيءٌ غامض: تتساءل عمّا إن كنتَ أسأتَ الاختيار أم أسأتَ الثقة؛ تشكّ لحظةً في ذاتك قبل أن تعود فتتذكر أن الجرح لا يُدين المذبوح. لكنّ هذا الانكسار لم يَخْلُ من هديته: علّمني أن أوطّدَ حدودي، وأن أضع على باب قلبي حارسًا من بصيرة. علّمني أن الصداقة عهد، والعهد لا يقوم على شعارٍ ولا على موسمِ منفعة؛ وأن العشرة خبزٌ وملح، من خانهما لا يليق به أن يعود إلى مائدتك. لم أعُد أبحثُ عن تبريرٍ لمن اختار خسارتي؛ فمَن أراد البقاءَ يبقى، ومَن مالَ قلبُه إلى المصلحة تودّعُه المصالحُ حينما تشاء. لم أعُد ألاحقُ اعترافاً ببراءتي ممّن اتخذ من الاتهام مسكناً؛ فالحقيقة لا تحتاج إلى استجداءٍ كي تظلّ حقيقة. كلُّ ما فعلتُه أنني سامحتُ نفسي على سذاجة الثقة، وغفرتُ له—لا تفضّلاً—بل تخلّصاً؛ فالغفرانُ مفاتيحُ يفتح بها القلبُ أبوابَه للضوء. أمّا النسيان، فليس واجباً؛ نحن لا ننسى لئلا نعيد الخطأ، لكننا نضع الألم في مكانه الصحيح: تجربةً صنعتْ وعينا، لا قيداً يشدّنا إلى الخلف. ولستُ أنكر أنّ شيئاً في داخلي تغيّر: صار صمتي أبلغ، وحدودي أوضح، وإحساني أذكى. إنّ الامتحان الذي انكشفت فيه الوجوهُ حفظ لي نعمةَ التمييز؛ صار بمقدوري أن أرى الخيطَ الفاصل بين من يزيّن الكلمات ومن يصدُق الأفعال، بين من يرفعك إذا تعثّرت ومن يدفعك لتسقط كي يعلو صوتُ ضحكته. عرفتُ أنّ “العِشرة” لا تُقاس بطول الزمن بل بصدق الوقفة، وأنّ الوفاء ليس شعاراً يُرفع في السعة بل موقفاً يُؤخذ في الضيق. اليوم، إذا تذكّرتُ تلك “القهقهات الهستيرية” التي علت فوق جراحي، لا أسمح لها أن تعلو فوق وعيي. أبتسم ابتسامةً هادئةً تقول: لقد مررتُ من هنا وخرجتُ أكثر قوّة. وما بقي من الحكاية سوى خلاصةٍ لا تخطئها عين: لا تُسرف في تبرئة قلبٍ يُدينك سلفاً، ولا تُهدر أجمل ما فيك لإقناع من لا يريد أن يقتنع. احفظْ نفسك، واغرسها بين أيدي من إذا أعطيتَهُم ثمينك زادوك ثراء، وإذا ضعفتَ بدّلوا قهقهات الناس بأذرعٍ تحتضنك. هذه الخيانةُ لا تمرُّ بلا أثر؛ تتركُ في الروحِ ندوبًا خفيّة، وتُطلقُ في الرأسِ ضجيجًا لا يهدأ: أسئلةٌ عن العدالة، وارتجافٌ في اليقين، وتشتّتٌ







