✍️: خاطرة إليك ياوالدي صغتها لك بروح الوفاء والاعتزاز ومن إبنك أبو يوسف وإبن يوسف.

في مثل هذا اليوم، من عام 2020، انكسر في القلب شيءٌ لا ينجبر، ورحل من دنيانا أبي الفاضل، ومربينا الكبير، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد أبٍ في بيت، بل كان مدرسةً في الإيمان، ومنارةً في الحكمة، وقدوةً في الأخلاق، ورمزًا من رموز الصبر والثبات والرجولة.

رحل أبي شهيدًا بوباء كوفيد-19، لكنه رحل كما يرحل الكبار، تاركًا خلفه سيرةً لا تموت، وأثرًا لا يبهت، وذكرياتٍ لا تنطفئ من الوجدان. لقد كان أجله في أول يومٍ من شهر رمضان، وفي صباح يوم الجمعة، رافعًا أصبعه بالشهادة، وكأن خاتمته المباركة كانت ترجمةً صادقةً لحياته كلها؛ حياةٍ عُمرت بذكر الله، وخدمة الناس، والدعوة إلى الخير، وتربية الأجيال على القيم والمروءة واليقين.

رحل ذلك العملاق الذي نذر عمره للدعوة في سبيل الله، وبناء الإنسان قبل البنيان، وتربية الأجيال على المعنى قبل المظهر. كان أبي يؤمن أن أعظم ما يتركه المرء خلفه ليس المال ولا الجاه، بل “إنسانٌ صالح” تغيّر به الحياة، وقلبٌ يستقيم به الطريق، وبيتٌ يذكر الله فيعلو قدره وتطيب أيامه.

كان أبي، رحمه الله، عظيمًا في حضوره، نبيلًا في خُلقه، راسخًا في مبدئه، كريمًا في عطائه، حليمًا في طبعه، قويًا في صبره، جميلًا في أثره. كان رجلًا من طراز نادر، لا تُقاس قيمته بما جمع من الدنيا، وإنما بما غرس في القلوب، وبما علّم من الخير، وبما بثّ من الحكمة، وبما ربّى من أجيال. كان صرحًا علميًا متميزًا، لكنه لم يجعل العلم زينةً للمكانة، بل جعله سبيلًا لله، وأداةً للإصلاح، ورسالةً للآخرة.

لم تكن الدنيا يومًا غايته، ولم تكن زينتها وجهته، بل عاش لها عابرًا، وعمل للآخرة مقبلًا، وضحّى في سبيل المبادئ والقيم بكل ما يملك. لم يجثُ على ركبته أمام الصعاب، ولم ينكسر أمام المشقات، بل ظل واقفًا كالجبل، ثابتًا كالنخلة، شامخًا في وجه الحياة، يداوي الناس بالكلمة الطيبة، ويرفعهم بالموعظة الحسنة، ويحمل الخير للغير وكأنه خُلق له.

كان أبي في بيتنا مدرسةً لا تُغلق أبوابها… نجتمع حوله، فنشعر أن للبيت روحًا، وأن للذكر هيبةً، وأن البركة تتنزّل حيث يكون الصالحون. كان كريمًا شهماً، قريبًا من القلوب، ثابتًا في المواقف، لا يلين عند الشدائد، ولا ينحني لابتلاءات الدنيا. لم يجثُ على ركبته لحظة أمام الصعاب، بل كان يمضي وهو يحمل الخير لغيره، ويخفف أثقال الناس كأنه خُلق ليكون سندًا لا يُخذل.

كان أبي رمزًا للصمود، ومثالًا للمثابرة، ونبراسًا للشهامة، وصرحًا علميًا مميزًا… لكنه مع كل ما أوتي من علمٍ وقدر آثر الآخرة، فعمل لأجلها، وضحّى بكل شيء، ولم تكن الدنيا وجهته يومًا. كان يعرف أن الدنيا محطةٌ لا وطن، وأن العاقل من يزرع لما بعد الرحيل.

وفي خُلقه كانت العظمة الصامتة: خلقٌ جميل، وأصلٌ راسخ، ومبدأٌ لا يتغير، ومروءةٌ وكرم،. وقد كان من خيرة من حملتهم هذه الأرض: صاحب أصلٍ ومبدأ، ورجل مروءةٍ وكرم، ووجهٍ طلق، ونفسٍ كريمة، وقلبٍ واسع؛ وفي خُلقه كانت العظمة الصامتة: خلقٌ جميل، وأصلٌ راسخ، ومبدأٌ لا يتغير، ومروءةٌ وكرم، وحِلمٌ إذا ذُكر الحلم قيل: “هذا يوسف”. كثيرٌ من معارفه يذكرونه بهذه الصفة قبل أي صفةٍ أخرى: حليم… واسع الصدر… عفيف… صادق…

كأنّ اسمه كان مرادفًا للطمأنينة والستر والنبل؛ وماكانت تلك شهادة عابرة، بل وصفٌ اختصر حياة رجلٍ جمع بين العلم والحلم، وبين المهابة والتواضع، وبين القوة والرحمة، وبين الصلابة في الحق والرقة في المعاملة.

لقد ترك أبي إرثًا لا يُقاس بالمال، بل يُقاس بما زرعه من قيم، وما بثّه من علم، وما غرسه من تربية؛ فقد علّمنا بالقدوة لا بالوعظ، وهبنا الصبر كي نحمل رسالته، وجعل من كرامته منهجًا؛ ولقد حمّلني كل من شبّهني به مسؤوليةً عظيمة، لأن الشبه به ليس أمرًا هيّنًا، بل أمانةٌ ثقيلة، ومقامٌ رفيع، وتكليفٌ بأن أكون على قدر هذا الإرث النبيل. فأن يُقال إنني أشبه أبي، فذلك عندي ليس مجرد مدح، بل عهدٌ يوقظ في النفس الخوف من التقصير، ويغرس فيها الرغبة الدائمة في أن أكون وفيًّا لنهجه، سائرًا على خطاه، حاملًا لبعض ما حمل من خير وصدق ونبل.

لقد حمل الخير للغير، وسعى في الإصلاح ما استطاع، وترك في القلوب مكانًا لا يملؤه أحد. واليوم، ونحن نذكره، لا نرثيه بكلمات الحزن وحدها، بل نذكره بصدق الفخر: فمثل هذا الأب ليس فقده فقد شخصٍ فقط، بل فقدُ قيمةٍ ومعنى ورمز؛ وإن أعظم ما نواسي به أنفسنا أن سيرة الصالحين لا تموت، وأن آثارهم تُحيي من بعدهم القلوب.

اختار الله له خاتمةً تليق بحياته؛ في أول أيام شهر رمضان، وفي صباح جمعة مباركة، ر… وكأنّ العمر كلّه كان تمهيدًا لتلك اللحظة المضيئة. عاش كريمًا شهمًا، ملأ بيتنا ذكرًا وطمأنينة، فكان حضورُه سكينة، وكلامُه حكمة، ومجلسُه مدرسةً في الأخلاق والإيمان.

رحمك الله يا أبي رحمةً تليق بعطائك، وغفر لك، ورفع مقامك في عليين.
ستبقى في القلب دعاءً لا ينقطع، وفي الروح عزًا لا يزول، وفي حياتي قدوةً لا تُنسى.

ويظل أعظم ما أعتز به في هذه الدنيا:
أنني ابن أبي.

✍️: خاطرة إليك ياوالدي صغتها لك بروح الوفاء والاعتزاز ومن إبنك أبو يوسف وإبن يوسف.

أبي الدكتور يوسف أحمد

Leave a Reply

Scroll to Top

Discover more from Dr Abdulrazaq Yusuf Ahmed | Dr Jalaaludiin

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading