المادية الطاغية في الحضارة الغربية
فالعلمُ حِمْلٌ ثقيلٌ، يَستدعي مُجاهدةَ النَّفسِ وحرمانَها مِنْ كثيرٍ مِنْ ملذَّاتِها وشهواتِها.. ولهذا قلَّ أنْ تَبلغَ النَّفسُ المُحِبَّةُ للرَّاحةِ والكسلِ والْمُيَالَةُ إلى اللهوِ، ذُروةَ العلمِ وإتقانَهُ، إلَّا بِمُصارعةِ تِلكَ النَّزعاتِ ومُغالبةِ تِلكَ الرَّغباتِ الجامحةِ.
وكثيرًا ما تَسلكُ النُّفوسُ في تحصيلِ العلومِ مسلكَ الهوى، تَنتقي مِنْ المسائلِ ما يُوافقُ أهواءَها، كما تَنتقي اليدُ مِنَ الطَّعامِ ما تَشتهيهِ.. فَتُركِّبُ المعلوماتِ وَفقَ مَيْلِها لا وَفقَ التَّدرُّجِ المنطقيِّ والتَّسلسلِ المنهجيِّ الذي يَربطُ أجزاءَ العلمِ ببعضِها.. بلْ وَفقَ ما يُرضي النَّفسَ ويُحاكي رغباتِها.. فإذا ما امتلأَ العقلُ بِخَليطٍ مُشوَّشٍ مِنَ المعلوماتِ النَّاقصةِ، زَعَمَ صاحبُهُ أنَّهُ قدْ وَصلَ إلى رأيٍ وفِكرٍ ناضجٍ.. وما هُوَ إلَّا هَوىً تَحوَّلَ في نظرِهِ إلى علمٍ راسخٍ وفهمٍ سديدٍ.
ولِذَا، فإنَّ كثيرًا مِنَ الإشكالاتِ التي يُثيرُها العقلُ، إنَّما تكونُ الأهواءُ قَدْ تَسلَّطَتْ عليها، وأصبحَ تفكيكُها عسيرًا للغايةِ، لأنَّها بُنِيَتْ على غيرِ أساسٍ عِلميٍّ أو عقليٍّ سليمٍ.. وعندما يَعجزُ أولو العلمِ والعقلِ عنْ دَحضِ تِلكَ الشُّبهاتِ، يَظنُّ أصحابُها أنَّها دليلٌ على قُوَّةِ حجَّتِهِمْ وضَعْفِ مُناظِريهِمْ، فَتَزدادُ قناعتُهُمْ بها رُسوخًا، ويَبْقَى صاحبُها في بدايةِ أمرِهِ مُستغرقًا في وَهْمٍ فكريٍّ.. ثمَّ لا يَلبثُ ذلِكَ الوَهْمُ أنْ يَنقلِبَ إلى حَيرةٍ وتَناقضٍ، وإلى ضِيقٍ وَحَرَجٍ.. ولا يُبدِّدُ ذلِكَ الظَّلامَ إلَّا السَّيرُ في دروبِ الحياةِ، والتَّأمُّلُ في الكونِ بعينِ البصيرةِ النَّافذةِ، لا بِعينِ البصرِ القاصرةِ..
ولكن، مهما طالَ الأمد، فإنَّ للعقلِ سطوته، وللفطرةِ كلمتَها. فهي كالنبعِ الصافي الذي قد يُطمرُ حينًا، لكنّه لا يلبثُ أن يجدَ طريقهُ لينبثقَ من جديد. بين الحينِ والآخر، يجدُ الإنسانُ تلكَ الحججَ الدامغةَ التي طالما هربَ منها، منشورةً أمامهُ في صفحةِ الحياة، تعترضُ طريقهُ وتهزُّ كيانه، فتُحيي في قلبهِ جذوةَ الشكِّ في مساره، والشعورِ بالتقصير، ووخزَ الضمير، ولو في أعمقِ الخلواتِ أو في لحظاتِ القلقِ والخوف.
فكثيرًا ما تتجلّى الحقائقُ الكبرى التي غيّبتها الطمأنينةُ الزائفةُ ورغدُ العيش، عندَ فقدِها. وهنا تتجلى عظمةُ القرآنِ في تصويرِ هذهِ الحقيقةِ الإنسانيّةِ الخالدة: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.










