حين رفع الله السماء بلا عمد، أودع في الكون ميزانًا خفيًّا وجليًّا، يزن به كل شيء: حركة الكواكب، ودورة الفصول، ورجفة أوراق الشجر، وحتى نبضات القلوب. ليس الميزان الذي ذكره القرآن مجرّد كيلٍ ووزنٍ في الأسواق، بل هو مبدأ كوني شامل، يربط الأرض بالسماء، والإنسان بالإنسان، والروح بالجسد. وأن الاعتدال سنّة كونية لا تنفصم.، إنه رمز شامل لتوازن الروح والجسد، والعقل والقلب، والإنسان والإنسان، والإنسان وبيئته.
الميزان في جوهره ليس معدنًا وأثقالًا، بل هو روح المساواة وطمأنينة الحق. أن تمنح كل ذي حقٍّ حقّه، فلا تبخس إنسانًا حقّه في رزقه، أو كرامته، أو حريته. أن تكفّ يد الظلم عن الضعفاء، كما تحبّ أن تُكفّ عنك يد البغي. أن تعين المحتاج، وتسدّ دين الغارم، وتكون عونًا على نوائب الحياة، فالدنيا لا تخلو من الصدمات، والقلوب المؤمنة تجعل من الخوف من الله تاجًا فوق رؤوسها، ونهجًا في تعاملها.
الميزان الذي أمرنا الله ألّا نطغى فيه، هو ميزان الحق في المعاملة، ميزان الكرامة الإنسانية التي لا تُشترى، وميزان الحرية التي لا تُستعبد. فمن لا يقبل الظلم على نفسه، فليمنع الظلم عن غيره، ومن أراد أن يسكن الطمأنينة قلبه، فليزن أفعاله بميزان العدل قبل أن توزن أعماله يوم القيامة. هناك، حيث تُعرض الموازين العظمى، فترجح كفةٌ بصدقها وإخلاصها، وتخف أخرى بخيانتها وجورها.
لقد أودع الله في الكون شواهد هذا الميزان: انتظام حركة الشمس والقمر، تعاقب الليل والنهار بلا خلل، واستقامة النظام في الطبيعة. فكما أن فساد عنصرٍ واحدٍ يفسد التوازن البيئي، فإن فساد القلوب يفسد المجتمعات، ويُعكر صفو الحياة. الفساد ليس فقط نهب المال أو الكذب في المعاملة، بل هو خروج الشيء عن طبيعته، وانحرافه عن وظيفته، حتى تتسرب العتمة إلى كل مفصل من مفاصل الحياة، ما لم تُوقَظ القلوب بحقيقة الإيمان، وتُصلح النفوس بأمانة العمل الصالح.
والتوجيه الإلهي بعدم الطغيان في الميزان هو دعوة شاملة للعدل في كل المعاملات، فلا يُبخس أحدٌ حقّ أحد، ولا يُظلم إنسان تحت أي ذريعة. هو نداء للأغنياء وميسوري الحال أن يمدّوا أيديهم بالعون للمحتاجين والغارمين، وأن يعينوا من أثقلته ديون الحياة. فالكرامة الإنسانية لا تُشترى، والحرية لا تُمنح إلا في ظل ميزان قوامه الحق، وحياتنا لا تزدهر إلا إذا تحررت من الظلم والجور.
لقد خلق الله الإنسان من عناصر الأرض، وجعل بيئته امتدادًا لذاته؛ فإذا فسد القلب مرض الكون، وإذا كفرت العقول بنور الحق تعطّلت بوصلة الحياة. وتمام التوازن أن يدرك الإنسان أن علاقته بأخيه الإنسان وبالبيئة علاقة أمانة ومسؤولية، فكما أن الحرارة المفرطة تُربك جسد الإنسان، كذلك اختلال حرارة القيم يربك جسد الأرض.
والإنسان حين ينسى إنسانيته، يمرض قلبه بنفاقه، ويعمى بصره عن نور الحق، فيختل ميزانه الداخلي كما يختل توازن الأرض من عبث أبنائها. وإذا ارتفعت حرارة الأنانية والجشع، ارتفعت حرارة الأرض من فساد العمران والبيئة، فاختلّت وظائف الطبيعة، كما تختل وظائف الجسد المريض.
إن علاقة الإنسان بالإنسان رابطة مقدّسة أساسها الإنسانية، مثلما هي علاقته ببيئته وموطنه. وكما أنّ خلل حرارة الجسد علامة على مرضه، فإنّ ارتفاع حرارة الأرض إنذار باختلال الميزان الكوني الذي نحن جزء منه. فكلّ انحراف عن العدل في معاملاتنا، وكلّ طغيان على حقوق غيرنا، يترك أثره في الكون من حولنا، كما يتركه في أرواحنا.
والعدل الذي نادى به القرآن هو ميثاق الحياة بين الناس: أن لا يُبخَس حق إنسان، ولا يُهان صاحب كرامة، وألا يأخذ القوي أكثر مما يستحق، ولا يُترك الضعيف فريسة الحاجة والخذلان. في مجتمع تُحترم فيه الكرامة الإنسانية، تتسع قلوب الأغنياء للغارمين والمحتاجين، ويتسابق الميسورون إلى مدّ يد العون، فتسود الطمأنينة ويتلاشى الخوف، ويغدو التعاون صمام أمان يحمي الأمة من الانقسام والفساد.
فالعدل ميزان العقل، والقوّة، والإرادة، وهو المقياس الذي يزن العلم والحكمة، كما يزن البيع والشراء. لا كنز أعظم من العلم، ولا جمال أسمى من العقل، ولا حياة من دون رأفة وعدل. ومن وعى هذا المبدأ، أدرك أنّ التوازن ليس رفاهية، بل ضرورة لبقاء الحياة، وأنّ حضور مراقبة الله في القلب هو الضمانة الكبرى لصيانة هذا الميزان.
إن “ألا تطغوا في الميزان” ليست مجرد وصية عابرة، بل عهد بين الإنسان وربه، أن يزن قوته بعقله، ورغباته بضميره، وحريته بمسؤوليته. فالعلم ميزان، والعقل ميزان، والرحمة ميزان، ولا جمال يفوق جمال عدلٍ يقيم أود الحياة، ولا كنز أعظم من قلب سليم وعقل مستنير.
فإذا اجتمع في قلب الإنسان العدل والرأفة، عاش بسلام مع نفسه، وأصلح علاقته بالآخرين، وامتد أثره في بيئته ووطنه. وإذا غاب الميزان، غابت الطمأنينة، وضاعت الحرية، وتبددت الكرامة.
إنها حكمة ربانية، أن يُقام الكون على ميزان، وأن يُمتحن الإنسان بميزان، حتى يدرك أن كل ميلٍ عن العدل هو سقوطٌ في هاوية الظلم، وأن كل طغيان في الميزان هو إخلالٌ بعهده مع الله، وخيانةٌ لأمانة إنسانيته.
إنها وصية الله للسماء والأرض، وللأغنياء والفقراء، للحكام والمحكومين، وصية تختصر فلسفة الكون: أن يظل كل شيء في موضعه، بلا زيادة تفسد، ولا نقصان يظلم. فالميزان… هو جسر العبور بين الأرض والسماء، بين الإنسان وأخيه الإنسان، بين الخالق وعباده… فلا تطغوا فيه، لئلا تختل الحياة.
بقلم ✍️: الدكتور جلال الدين يوسف أحمد
من مدونتي: ثمرة الصلابة في هذا العام ٢٠٢٥

