حين يختلّ الإيقاع العاطفي؛ و يختلط الحبّ بالحاجة

ثمة مسافة خفية، لكنها عميقة ومصيرية، بين أن نرغب في إنسان، وأن نحبه حقًا؛ فالرغبة قد تأتي أحيانًا كنداءٍ عاجل من منطقة النقص فينا؛ من فراغٍ قديم، أو حاجةٍ نفسية عابرة، أو عطشٍ داخلي يبحث عمّن يسكبه ماءً في العروق. وقد تتزيّن الرغبة بلغة الحب، وتستعير صوته، وتتشبّه بملامحه، لكنها في جوهرها قد لا تكون سوى محاولة للاتكاء على الآخر كي لا نواجه وحدتنا، أو كي نملأ به فراغًا لم نتعلّم بعد كيف نضيئه من داخلنا.

أما الحب، في صورته الأصفى، فليس تشبثًا مذعورًا، ولا خوفًا متربصًا من الفقد، ولا قلقًا دائمًا من الغياب. الحب الحقيقي حالة من الاتصال العميق بين روحين، لا يلغي أحدهما الآخر، ولا يحوّله إلى وسيلة، ولا يختزله في وظيفة عاطفية. إنه أن ترى الآخر كائنًا كاملًا، مستقلًا، جديرًا بالاحترام لذاته، لا لأنه يهدّئ قلقك، أو يعالج هشاشتك، أو يمنحك شعورًا مؤقتًا بالاكتمال.

إن التمييز بين الرغبة والحب ليس أمرًا بسيطًا، ولا يتأتى إلا لمن امتلك شجاعة النظر إلى داخله بصدق. فالرغبة قد تولد من احتياجٍ عابر، من وحدة، من خوف، من جوعٍ نفسي أو عاطفي، وربما من رغبةٍ خفية في الامتلاك أو التعويض. أما الحب، في صورته الأصفى، فهو اتصالٌ روحي عميق بين ذاتين حرتين، لا يبتلع أحدهما الآخر، ولا يحوّله إلى مرآةٍ لأنانيته أو وعاءٍ لفراغه.

فالرغبة حين تتغذى على النقص تُصبح قلقة، متوترة، متشبثة، تخاف الغياب كأنه نهاية العالم، وتقرأ الصمت كرفض، والتأخر كخذلان، والمسافة كتهديد. أما الحب الناضج، فإنه يمنح صاحبه سكينةً لا ضجيج فيها، وثقةً لا تحتاج إلى مراقبة، وقربًا لا يخنق، وحريةً لا تعني الهجران. الحب الحقيقي لا يحبس الآخر داخل توقعاتنا، بل يراه كما هو: كائنًا مستقلًا، له مخاوفه، مساحته، صمته، نضجه، ضعفه، وحقه في أن يُحب دون أن يُستَهلَك.

وأما الغموض العاطفي، وإن لم يكن مقصودًا به الإيذاء، فإنه يكون من أقسى أشكال الاستنزاف. فالصمت المتكرر، والتأجيل المستمر، والتهرب من المواجهة الصريحة، لا تمرّ على القلب بلا أثر؛ إنها تتراكم في الداخل كغبارٍ ناعم على مرايا الروح، حتى يفقد الإنسان شيئًا من ثقته بنفسه، ويبدأ في التساؤل عن قيمته، وعن مكانته، وعن جدوى البقاء في علاقةٍ لا تمنحه يقينًا كافيًا ليستريح.

إن الكرم العاطفي، حين يُقدَّم من طرفٍ واحد، يتحول مع الأيام إلى عبء. والعطاء الذي لا يجد قلبًا يستقبله، ولا وعيًا يثمّنه، ولا حضورًا يبادله، يبدأ في الذبول بصمت. فلا شيء يُنهك الروح أكثر من أن تكون صادقًا في موضعٍ لا يُقابَل فيه الصدق إلا بالتحفظ، أو التجاهل، أو البرود، أو الارتباك المستمر.

نعم إن العطاء لا يزدهر إلا في أرضٍ تعرف قيمته. والانفتاح لا يثمر إلا مع نفسٍ مستعدة للإصغاء. والصدق لا يحتاج إلى دفاعٍ طويل حين يجد قلبًا يريد أن يفهم لا أن يحاكم. أما حين يتحول كل تعبيرٍ صادق إلى عبء، وكل قربٍ إلى ارتباك، وكل وضوحٍ إلى تهديد، فهنا لا تكون المشكلة في الحب وحده، بل في قدرة الطرفين على احتمال الحميمية، ومواجهة الذات، واحترام هشاشة الآخر.

إن الصدق في التعبير عن المشاعر لا يحتاج إلى دفاعٍ مستمر حين يجد أذنًا تصغي وقلبًا يفهم. والقرب الحقيقي لا يصبح خانقًا إلا حين يكون أحد الطرفين خائفًا من المواجهة، أو عاجزًا عن إدارة الحميمية، أو غير مستعد لأن يظهر ضعفه بأمان. فليست كل علاقة مرهقة خالية من الحب، لكنها قد تكون خالية من التوافق، من البساطة، من الشجاعة، من القدرة على اللقاء في منتصف الطريق.

والتكافؤ في الحب لا يعني أن يتشابه الطرفان في كل شيء؛ فهذا وهمٌ جميل لكنه مستحيل؛ التكافؤ يعني أن يتحركا معًا نحو المعنى ذاته، ولو بخطواتٍ مختلفة. أن يختلفا دون أن يتباعدا. أن يتعثرا دون أن يترك أحدهما الآخر وحيدًا في منتصف الطريق. أن يكون بينهما استعدادٌ متبادل للفهم، والنمو، والاعتذار، والمراجعة، وإعادة بناء الجسر كلما أتعبته الريح.

إن غياب هذا التناغم لا يعلن عن نفسه بضجيجٍ ظاهر، ولا ينهار كل شيء فجأة كما تنهار الجدران في العواصف. بل يحدث الأمر ببطءٍ موجع. ينقص الدفء قليلًا، ثم تخفت الطمأنينة، ثم يصبح الكلام أثقل، والانتظار أطول، والقلب أكثر تعبًا؛ تظل العلاقة قائمةً من الخارج، وربما تبدو للناس مستقرة، لكنها من الداخل تكون قد بدأت تفقد ماءها الخفي، كبيتٍ جميل الأركان، واسع النوافذ، لكنه خالٍ من السكن، من الروح، من الحياة.

ولذلك فإن الحب الناضج لا يولد من الفراغ، ولا يعيش على التعلق المرضي، ولا يتغذى على الخوف من الفقدان. الحب الحقيقي يحتاج إلى إنسانٍ يعرف جراحه ولا يحمّلها للآخر، ويدرك احتياجاته ولا يحوّلها إلى قيود، ويستطيع أن يحب دون أن يمتلك، وأن يقترب دون أن يبتلع، وأن يمنح دون أن يفقد ذاته.

إننا لا نبلغ الحب الحر إلا حين نكفّ عن استخدام الآخرين كضماداتٍ لجراحنا القديمة، أو كمرايا نبحث فيها عن قيمتنا. الحب الواعي لا يأتي من خواءٍ يبحث عمّن يملؤه، بل من امتلاءٍ داخلي يعرف كيف يشارك، وكيف يصغي، وكيف يحترم، وكيف يبني.

فالحب الذي يستحق أن يبقى هو ذلك الذي يوسّع أرواحنا ولا يضيّقها، يرفعنا ولا يستنزفنا، يطمئننا ولا يربكنا، يحررنا ولا يقيدنا، ويمنح كل طرفٍ فرصة أن يكون أكثر صدقًا، وأكثر نضجًا، وأكثر قربًا من أفضل نسخةٍ من نفسه.

فالحب، حين يكون ناضجًا، لا يطلب من الآخر أن يكون علاجًا لكل ما انكسر فينا، بل يدعوه أن يمشي معنا في الطريق، لا كمنقذٍ ولا كضحية، بل كروحٍ حرّة اختارت روحًا حرّة، لتبنيا معًا علاقةً لا تُرهق الحياة، بل تجعلها أحنّ، وأوسع، وأعمق معنى.

إن الارتقاء بالعلاقات الإنسانية إلى مقام الحب الناضج ليس أمرًا سهلًا، ولا يحدث بالمصادفة؛ إنها رحلة وعيٍ طويلة، تبدأ من مواجهة الذات قبل مطالبة الآخر بأي شيء؛ فليس كل انجذابٍ حبًّا، وليس كل تعلّقٍ وفاءً، وليس كل خوفٍ من الفقدان دليلًا على عمق المشاعر.

ففي أعماق الإنسان مساحاتٌ غامضة، تختلط فيها الرغبة بالحاجة، والشوق بالفراغ، والحنين بالخوف، حتى يظن القلب أحيانًا أنه يحب، بينما هو في الحقيقة يبحث عمّن يرمّم نقصًا قديمًا، أو يسكّن وجعًا دفينًا، أو يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.

فإن الحبُّ الحقيقي لا يُرهق الروح، ولا يجعلُ الإنسانَ سجينَ الترقب والخوف والانتظار؛ إنه مساحةٌ من السكينة، يشعرُ فيها المرء أنه مرئيٌّ كما هو، ومقبولٌ كما هو، دون حاجةٍ لأن يُقاتل كلَّ يوم كي يُثبت مكانته في قلبٍ آخر ؛ الحبُّ ليس أن نتمسك بالآخر كي لا نسقط، بل أن نمشي معه ونحن واقفون بثباتٍ داخلي، لا خوفًا من الوحدة، بل امتنانًا للرفقة.

إن الحب الذي يستحق أن يبقى هو ذلك الذي يبني ولا يهدم، يحرر ولا يقيد، يطمئن ولا يبتز، يفتح النوافذ ولا يطفئ الضوء. حبٌ يسمح لكل طرف أن يصبح أفضل نسخة من نفسه، لا نسخة مشوهة من خوف الآخر أو احتياجه.

وحده الحبُّ الذي ينبعُ من امتلاءٍ داخلي، ومن شجاعةٍ صادقة في المواجهة، ومن قدرةٍ على الإصغاء والفهم والاحتواء، يستطيعُ أن يصمد أمام تقلّبات الحياة، أما العلاقات التي تُبنى على الخوف، أو النقص، أو التردد، فإنها تُرهق أصحابها حتى وإن بدت للآخرين مثالية.

لأن الحبَّ الحقيقي… لا يُشعرنا بأننا نركضُ طوال الوقت كي لا نفقد أحدًا، بل يجعلنا نطمئن أننا أخيرًا وصلنا إلى مكانٍ لا نحتاجُ فيه إلى الاختباء.

✍️ د. جلال الدين يوسف أحمد
من مدونتي: الوهم الجميل ، دونت في عام ٢٠٢٣

Leave a Reply

Scroll to Top

Discover more from Dr Abdulrazaq Yusuf Ahmed | Dr Jalaaludiin

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading