إليك يا بني… يا ولدي عمار،
أكتب لك هذه الوصية لا لأنني أخشى عليك الطريق، بل لأنني أعرفه… أعرف كيف يمرّ بنا متخفيًا في هيئة أيامٍ عادية، ثم يفاجئنا بما لم نتهيأ له. وأعرف أيضًا أن قلبك حين يكبر سيحتاج كلمةً تُمسكه من يده في العتمة، وتقول له: لست وحدك.
يا ابني أيها الحبيب عمار :
يا من طال خيالك في قلبي حتى اشتاقت الروح لحديثك… اسمعها مني حرفًا حرفًا، واحملها معك حين تصير رجلًا، حين تكتشف أن الحياة ليست كتاب أجوبة، بل مدرسةُ تجربة. نحن البشر يا عمار لم نُخلق لنجد كل الإجابات، بل لنعيش التجربة حتى تنضج أرواحنا، وحتى نفهم في آخر الطريق أن الدنيا ليست انتصارًا دائمًا ولا هزيمةً مطلقة؛ هي مزيجٌ من الفقد والربح، من الوجع والنضج، من الصمت والكلام، ومن الرحيل والعودة.
يا ولدي… تذكّر: أنت كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه. ستتعب، ستجتهد، ستتعرّق روحك قبل جسدك، وستحسب أحيانًا أن الخطوات كثيرة، وأن المسافة أطول من قدرتك. لكن الله خلق الإنسان في كبد، لا ليكسره، بل ليصنع منه معنى. فلا تستوحش التعب؛ فهو علامة أنك حيّ، وأنك تمضي، وأنك تتشكّل كما تتشكّل المعادن في النار: لا تزداد قيمةً إلا بالحرارة.
فكن يا بنيّ رجلًا يعرف أنّ الكدح إلى الله شرف، وأنّ المشقّة طريق الارتقاء، وأنّ قبول الأقدار ليس ضعفًا بل وعيًا عميقًا بسرّ الوجود. إذا ضاقت بك الدنيا، فاعلم أنّ في داخلك قدرةً أكبر مما تظنّ. وإذا انتصرت، فتواضع؛ فالحياة دولٌ بين الناس.
ستعرف معنى أن تكون ضائعًا بين رغبة قلبٍ نابض، وبين أمنيةٍ ضاعت دون وداعٍ واضح. وتعتاد رغم دهشتك علي ما يحدث وما قد يحدث، كأنك تحتضن قدرَك بصمتٍ نبيل، وتتعلم أن بعض الأحلام تظل معلقة في أفقٍ لا نملك مفاتيحه… لا لأننا ضعفاء، بل لأن الله يربّي فينا فنّ التسليم.
ليس لأن الحياة قاسية بلا حكمة، بل لأن في الكدح سرّ التزكية، وفي التعب طريق التشكّل. الحياة ليست انتصارًا دائمًا، ولا هزيمةً مطلقة؛ إنّها مزيجٌ من الفقد والربح، من الوجع والنضج، من الصمت والكلام، من الرحيل والعودة.
ستجد قلبك يا عمار يخوض معاركَه مع أعقاب الأيام. في زوايا ذاكرتك حكاياتٌ تمضي وتئنّ بصوتٍ خافت، وحكاياتٌ تعيشها الآن، تجرّك إلى عوالم تتلاقى فيها الأمنيات؛ بعضها يشرق إيمانًا بأنّ المستقبل يحمل بريقًا جديدًا، وبعضها يذوب في ضباب واقعٍ ملتبس، يمرّ بك دون أن تدرك عبوره. لا تخف من هذا التيه؛ فالإنسان لا يضيع حين يحتار، بل حين يتوقّف عن السير؛ و ستنقلك الأيام بين عوالم متغايرة: أمنياتٌ تُشرق إيمانًا بأن الغد يحمل بريقًا جديدًا، وأمنياتٌ تذوب في ضباب واقعٍ ملتبس، تاهت منك دون أن تفهم متى عبرت من بين يديك.
وأوصيك، يا عمار، أن تكون رجلًا يعرف التقبّل دون أن يتنازل عن كرامته، ويتأقلم دون أن يطفئ روحه. التقبّل ليس استسلامًا، بل حكمة: أن تفهم حدودك، وأن تضع قلبك في موضعه الصحيح، وأن تقول حين تُغلَق الأبواب: لعلّ في هذا الإغلاق رحمة لا أراها الآن. وأن تقول حين تتأخر الأشياء: لعلّ التأخير إعدادٌ لي، لا عقوبة عليّ.
يا ولدي… قد تُقبل على الحياة دون أن تمتلك حقيقة نفسك كاملة، وهذا طبيعي؛ النفس تُكتشف بالتدريج، وتُعرَف في المواقف لا في الأمنيات. ستتعلم من كل خطوةٍ وكل تجربة أن القوة الحقيقية لا تُبنى من الصراخ ولا من العناد، بل من الفهم العميق للصبر.
ستفهم أن كل يوم يمر مهما حمل من ألم وهموم هو درسٌ يدعوك للسكينة والتأمل. وأن السلام الحقيقي لا يأتي من اقتحام مشاكل الحياة بالعنف، بل من احتضانها بصدرٍ رحب، ومن معرفة أن لكل واحدٍ منا مسارًا يُصقل فيه معنى التحمل واليقين… وأن التجديد الحقيقي يكون في عطاء الفهم قبل القوة، وفي الصبر قبل العجلة.
ستصادف يا بني ذلك الإرهاق الهادئ… التعب الذي لا يُقال، الألم الذي لا صرخة له. ستبتسم وأنت تحمل ما لا يُحمل، وستربّت على قلبك كي لا ينكسر أمام الناس. لكن صدّقني: ذلك كله لا يضيع، إنه يُعيد تشكيلك، يجعلك أكثر فهمًا وأقل صخبًا، أكثر نضجًا وأقل اندفاعًا. ستدرك أن الإنسان لا يتخطى الحياة بقوته وحدها، بل بصبره عليها، وبحكمته في فهم ما تأخذه وما تُبقيه، وبقدرته على الوقوف بعد كل انحناء.
إن ذالك ، يا عمار، هو الذي يصقل معادن الرجال. لا نتخطّى الحياة بقوّتنا، بل بصبرنا عليها؛ بفهمنا لما تأخذه وما تبقيه؛ بقدرتنا على حمل ما لا يُحمل، والابتسام رغم ما كان ينبغي أن يُبكينا.
نحن نكبر بالألم، ونتعلّم بالصبر، وننجو بالفهم. نخفي أحيانًا ما يجب أن يُقال، ونقول ما لا يعبّر تمامًا عمّا في صدورنا. ومع ذلك، نستمرّ في السير؛ لأن الحياة لا تنتظر أحدًا، ولأننا ًمهما تهنا لا نملك إلا المضيّ قُدمًا.
كبر يا عمار… لكن لا تكبر قاسيًا.
كن قويًا… لكن لا تكن غليظًا.
كن صلبًا… لكن اترك فيك مكانًا للرحمة.
لا تخجل من دمعتك إن كانت لله، ولا تستحِ من ضعفك إن كان بابًا إلى وعيك. واجعل قلبك قريبًا من ربك؛ فكل ما في الدنيا يتبدل، إلا من عرف الطريق إليه.
فإن غبت يومًا، فاجعل هذه الكلمات ظلًا لك، وبوصلةً إذا تاهت الجهات: امضِ… ولو ببطء. ابتسم… ولو بألم. واثبت… فإنك كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه.
وأنا، يا عمار، أفخر بأنني أبوك، وأحبّ أن يُناديني الناس باسمك؛ لأنك قطعةٌ من روحي، وامتداد دعائي في هذه الحياة. إن اشتدّ بك الطريق يومًا، فتذكّر أنّ لك أبًا دعا لك في غيبك، وأحبّك قبل أن تكبر، وكتب لك هذه الكلمات علّها تكون مصباحًا في عتمة، أو يدًا خفيّةً تربّت على كتفك حين لا يكون إلى جوارك أحد.
سرْ يا بنيّ، وكن على يقينٍ أنّ كلّ كبدٍ وراءه فرج، وكلّ كدحٍ وراءه لقاء، وأنّ الإنسان ما خُلق إلا ليصبر، فيفهم، فيسمو.
محبتك التي لا تُكتب كلها في سطر،:
أبوك أبو عمار ؛. جلال الدين يوسف أحمد

