النفس البشرية لا تقبل الفراغ
النفس البشرية لا تقبل الفراغ أبدًا، فمن المستحيل أن يكون الإنسان فارغًا تمامًا، إذ لا بد أن يكون مشغولًا بشيء ما. غير أن الفارق الجوهري بين الناس يكمن في طبيعة هذا الانشغال، فهناك من يملأ وقته بما يثريه وينمّيه، وهناك من يستهلك أيامه في ما لا طائل منه ولا نفع. الجميع مشغول، لكن العبرة ليست في مجرد الانشغال، بل في قيمته، في جدواه، وفي الأثر الذي يتركه في النفس والعقل والروح. نعيش اليوم في زمن تضاعفت فيه مصادر الإلهاء، وارتفعت فيه رايات التفاهة لتأسر العقول والقلوب. البعض ينشغل بأمور لا تضيف إلى حياته شيئًا، بل تسلب منه الوقت والطاقة والوعي دون أن يشعر. في زمن الهواتف الذكية، لم يعد الأمر مجرد استخدام لهذه الأجهزة، بل صار استعبادًا ناعمًا، حيث يستهلك المرء ساعات طويلة يتنقل بين تطبيقات التواصل الاجتماعي بلا هدف ولا غاية. من “فيسبوك” إلى “إنستغرام”، ومن “تيك توك” إلى “تويتر”، في حلقة مفرغة لا تنتهي، يتلقّى خلالها آلاف المعلومات المتناثرة، التي تفتقد إلى العمق والاتساق، لتغمر عقله بوهم المعرفة وتسرق منه جوهر التفكير النقدي والتحليل الواعي. إن هذا التدفق الهائل والعشوائي للمعلومات أخطر ما يهدد العقول اليوم، فهو لا يمنح الوعي، بل يصنع سرابًا من المعرفة، يوهم صاحبه بأنه مثقف وعارف، بينما هو مجرد متلقٍّ لآراء وتحليلات جاهزة لا أساس لها من الصحة. صار الإنسان اليوم يعرف كل شيء عن حياة الآخرين، لكنه يجهل كثيرًا عن نفسه، عن أهدافه، عن أولوياته، وعن المعاني العميقة التي تمنح لحياته قيمتها الحقيقية إنّ الفوضى المعلوماتية تولّد وهماً زائفًا بالمعرفة، فتجعل الإنسان يظن نفسه مثقفًا ومطلعًا على كل شيء، متبنّيًا تحليلات وآراء دون تنقية أو ترشيح؛ فالمشاهدة والسمع يتحولان في نظره إلى مصادر للعلم، حتى وإن كانت المعلومات التي يتلقّاها تخلو من أي سند أو صحة. وفي خضمّ ذلك، تصبح تفاصيل مثل نادي أحد المشاهير المفضّل أو نوع ساعة يرتديها، أو حتى أخبار الزواج والسفر، بمثابة دلائل زائفة على الثقافة والمعرفة. ومن المفارقات العجيبة أن هذا التدفق الهائل من المحتوى لم يرفع مستوى الوعي، بل أدى إلى تدنيه، حيث أصبحت المعرفة الحقيقية مغيبة وسط ضجيج المعلومات الاستهلاكية. فمن ذا الذي قرر أن الاطلاع على ماركة ساعة لاعب كرة قدم أو تفاصيل حياة مغنية هو “معلومة”؟ ومن ذا الذي أوهم الناس بأن متابعة كل شاردة وواردة في حياة الآخرين هو جزء من الثقافة؟ لقد أضحى الناس أسرى الخوف من فوات الأحداث، وكأن ضياع خبر تافه هو خسارة فادحة، فانكبوا على ملاحقة أخبار كرة القدم والسياسة والفضائح وأحوال المشاهير، متناسين أن أعمارهم تُهدر، وأن حياتهم الحقيقية تتآكل دون أن يشعروا. وإزاء هذا الواقع، لا بد من وقفة صادقة مع الذات، إننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في أولوياتنا، أن نتعلم فنّ التخلي، التخلي عن كل ما لا يثري أرواحنا ولا يضيف إلى حياتنا قيمة، أن نحرر أنفسنا من أسر التوافه، ونعيد التوازن بين ما نحمله في أيدينا وما نحمله في عقولنا وقلوبنا. آن الأوان للتحرر من أسر الهواتف ومن وهم الحاجة إلى معرفة كل شيء عن كل أحد. علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نميّز بين ما يستحق الاهتمام وما لا يستحق، بين المعرفة الحقيقية والتسلية العابرة. ليس خطأً أن نستخدم التكنولوجيا، لكن الكارثة أن نكون نحن المستخدمين، ومع ذلك نصبح عبيدًا لها. إن لم تتحكم في وقتك، تحكمت فيه الأشياء من حولك. وإن لم تختر بوعي ما يدخل إلى ذهنك، صار عقلك مكبًّا لما لا نفع فيه ولا جدوى. فاختر اليوم أن تحيا حياة حقيقية، حياة تستحق أن تعاش ✍️:د.جلال الدين يوسف أحمدمن مدونتي: هوس التسمم عام ٢٠٢٤










