Blog

img 8528 1
Blog, Legacy, Resilience, Uncategorized, مدوناتي

يا ابني أيها الحبيب عمار

إليكَ يا بنيّ، يا قُرَّة القلب وامتداده، يا عمار…
يا من أشتاق إلى صوتك يناديني: أبي عمار، فأشعر أنّ الدنيا اتسعت بما فيها، وأنّ اسمي صار أجمل حين خرج من شفتيك.

أكتب لك هذه الوصيّة، وقد طال خيالك في قلبي، واشتاقت الروح لحديثك، فاسمعها منّي حرفًا حرفًا، وافتح لها قلبك حين تكبر، فربّ كلمةٍ تُنقذ إنسانًا من حيرة، وربّ معنى يُعيد ترتيب العمر كلّه.

يا بنيّ…
نحن البشر لم نُخلق لنجد كلّ الإجابات، بل لنخوض التجربة حتى تنضج أرواحنا. خُلِق الإنسان في كبد، في مشقّةٍ وتقلّب، يسعى ويكابد، ويكدح إلى ربّه كدحًا؛ ليس لأن الحياة قاسية بلا حكمة، بل لأن في الكدح سرّ التزكية، وفي التعب طريق التشكّل. الحياة ليست انتصارًا دائمًا، ولا هزيمةً مطلقة؛ إنّها مزيجٌ من الفقد والربح، من الوجع والنضج، من الصمت والكلام، من الرحيل والعودة.

ستجد قلبك يا عمار يخوض معاركَه مع أعقاب الأيام. في زوايا ذاكرتك حكاياتٌ تمضي وتئنّ بصوتٍ خافت، وحكاياتٌ تعيشها الآن، تجرّك إلى عوالم تتلاقى فيها الأمنيات؛ بعضها يشرق إيمانًا بأنّ المستقبل يحمل بريقًا جديدًا، وبعضها يذوب في ضباب واقعٍ ملتبس، يمرّ بك دون أن تدرك عبوره. لا تخف من هذا التيه؛ فالإنسان لا يضيع حين يحتار، بل حين يتوقّف عن السير.

قد تجد نفسك يومًا بين أمنيّةٍ ينبض بها قلبك، وأخرى تاهت عنك دون وداع. ستعتاد مفاجآت الحياة، وتحتضن قدرك بصمتٍ فيه سكينة، حتى وإن بقيت بعض الأحلام معلّقة في أفقٍ لا تملك مفاتيحه. تعلّم أن تتقبّل ما يأتيك، وأن تتأقلم مع الأقدار؛ فالرجل ليس من يُغيّر كلّ شيء، بل من يُحسن التعامل مع ما لا يستطيع تغييره.

يا بنيّ…
القوّة الحقيقية لا تُبنى بالاندفاع، بل بالفهم. كلّ يومٍ يمرّ، مهما حمل من ألمٍ وهمّ، هو درسٌ من دروس الزمان، يدعوك إلى التأمّل والسكينة. السلام لا يأتي من اقتحام الحياة بعنف، بل من احتضانها بصدرٍ رحب. التجارب لا تكسرنا إن فهمناها؛ بل تُعيد تشكيلنا، تُقلّص صخبنا، وتوسّع بصيرتنا.

ستعرف يومًا ذلك الإرهاق الهادئ، التعب الذي لا يُقال، والألم الذي لا صرخة له. لكنه، يا عمار، هو الذي يصقل معادن الرجال. لا نتخطّى الحياة بقوّتنا، بل بصبرنا عليها؛ بفهمنا لما تأخذه وما تبقيه؛ بقدرتنا على حمل ما لا يُحمل، والابتسام رغم ما كان ينبغي أن يُبكينا.

نحن نكبر بالألم، ونتعلّم بالصبر، وننجو بالفهم. نخفي أحيانًا ما يجب أن يُقال، ونقول ما لا يعبّر تمامًا عمّا في صدورنا. ومع ذلك، نستمرّ في السير؛ لأن الحياة لا تنتظر أحدًا، ولأننا ًمهما تهنا لا نملك إلا المضيّ قُدمًا.

فكن يا بنيّ رجلًا يعرف أنّ الكدح إلى الله شرف، وأنّ المشقّة طريق الارتقاء، وأنّ قبول الأقدار ليس ضعفًا بل وعيًا عميقًا بسرّ الوجود. إذا ضاقت بك الدنيا، فاعلم أنّ في داخلك قدرةً أكبر مما تظنّ. وإذا انتصرت، فتواضع؛ فالحياة دولٌ بين الناس.

وأنا، يا عمار، أفخر بأنني أبوك، وأحبّ أن يُناديني الناس باسمك؛ لأنك قطعةٌ من روحي، وامتداد دعائي في هذه الحياة. إن اشتدّ بك الطريق يومًا، فتذكّر أنّ لك أبًا دعا لك في غيبك، وأحبّك قبل أن تكبر، وكتب لك هذه الكلمات علّها تكون مصباحًا في عتمة، أو يدًا خفيّةً تربّت على كتفك حين لا يكون إلى جوارك أحد.

سرْ يا بنيّ، وكن على يقينٍ أنّ كلّ كبدٍ وراءه فرج، وكلّ كدحٍ وراءه لقاء، وأنّ الإنسان ما خُلق إلا ليصبر، فيفهم، فيسمو.

img 2318
Blog, Legacy, Resilience, مدوناتي

رمضان موعد الأرواح مع العودة

رمضان… ليس مجرد شهرٍ يمرّ في التقويم ثم يرحل، بل كأنّه موعدٌ سنويٌّ مع الحقيقة؛ يأتي ليعيد تشكيليتنا ، ويُعيد للروح بوصلتها ؛ حين تتوه بين ازدحام الأيام. يطرق باب القلب برفقٍ لا يشبه ضجيج الحياة،، رمضان لحظةُ صدقٍ كبرى تتكرّر كل عام، ووعدٌ سماويٌّ للروح أن لا تيأس من نفسها. يأتي بهدوءٍ يشبه النور حين يتسلّل من نافذةٍ صغيرة، لا ليُثقلنا بالتكاليف، بل ليوقظ فينا ما نام طويلًا. يقف على عتبة القلب، لا يطرق بعنف، بل يهمس: آن للداخل أن يُنقّى، آن للروح أن تُرمَّم، آن للحياة أن تُعاد كتابتها من جديد.

في رمضان، تتغيّر المواعيد، وتختلف الأصوات، وتصفو الشوارع عند الغروب… غير أن التحوّل الأعمق لا يحدث خارجنا، بل فينا. نصوم عن الطعام، نعم، لكن الصيام الحقيقيّ أوسع من الامتناع عن اللقمة والشراب؛ إنّه تدريبٌ خفيٌّ على خفّة الروح. نصوم عن القسوة، عن الكلمات التي لا تُداوي، عن العجلة التي تسرق أعمارنا، عن الانغماس في تفاصيل تُثقِل القلب ولا تُغنيه. كأنّ الجوع يُعلّمنا أن الإنسان لا يحيا بما يملأ معدته، بل بما يُزكّي قلبه. نتعلّم أن نأخذ أقلّ… لنشعر أكثر، وأن نُقلّل الضجيج… لنسمع صوتنا الداخليّ بوضوح.

ورمضان ليس شهر “زيادة عبادات” فحسب؛ إنّه شهر ترميم. ترميمٌ للعلاقة مع الله حين شغلتنا الدنيا وأبعدتنا التفاصيل، وترميمٌ للعلاقة مع أنفسنا حين نسينا أننا بشرٌ نحتاج إلى سكينة لا إلى سباقٍ دائم، وترميمٌ للعلاقة مع الناس حين جعلتنا الخيبات نُغلِق أبواب الرحمة، وننسى أن الحبّ ليس ترفًا بل ضرورةٌ للنجاة. في هذا الشهر تُفتح النوافذ الداخلية؛ نراجع أنفسنا بلا قسوة، ونقف أمام الحقيقة بلا أقنعة، ونفهم أن الطاعة ليست ثِقلاً على الروح بل إنقاذٌ لها.

image
Blog, Legacy, Resilience

تبرير الفساد وخطره علي المجتمع

إن في أخطر منعطفات الانحطاط الأخلاقي هو تبرير الفساد فإن الفساد لا يولد من فراغ، بل يُصنَع على مهل، ويترعرع في بيئة تُجيد تبريره أكثر مما تُجيد مقاومته؛ فحين لا يكتفي الناس بالصمت أمام الخطأ، بل يكسونه بعبارات ناعمة تُخفف قبحه وتُجمّل صورته، يصبح الفساد مألوفًا، بل مقبولًا، ويُقدَّم على أنه “واقع لا مفرّ منه”، أو “أمر بسيط لا يستحق الوقوف عنده”، أو “سلوك شائع لا يخرج عن المألوف”. وهكذا، تنقلب المخالفة من استثناء عابر إلى قاعدة مستقرة لا تُناقَش ولا تُراجَع. تبريرُ الفساد ليس مجرد زلّةٍ عابرة في اللسان، ولا هو تلطيفٌ لغويّ لخطأٍ محدود؛ إنه مرضٌ أخلاقيّ يتسلّل إلى العقول قبل أن يتسلّل إلى المؤسسات، ويُعيد تشكيل الذائقة العامة حتى يصير القبيحُ مألوفًا، والمألوفُ مُقنَّعًا، والمُقنَّعُ مبرَّرًا، ثم لا يلبث أن يتحوّل إلى “واقعٍ” يُطالَب الناس بالتكيّف معه بدل تغييره. والخطر هنا لا يكمن في الفساد وحده، بل في ذلك العقل الجمعي الذي يمدّه بالأكسجين: يلتقط الخطأ متلبسًا، ثم يبحث له عن عطرٍ يخفّف رائحته، وعن عذرٍ يلوّن قبحه، وعن حكايةٍ تُظهره كأنه ضرورة لا خيار. لقد تبدّلت لغة المجتمع في كثيرٍ من المواضع؛ فبعد أن كان الخطأ يُسمّى خطأً، صار يُقدَّم كحكمةٍ عملية؛ وبعد أن كانت المخالفة وصمةً، أصبحت “شطارة”. وبعد أن كان انتهاكُ الحق عارًا، صار “تدبيرًا” و“فهمًا للعبة”. وهذه اللغة الجديدة ليست بريئة؛ فهي تُغيّر طريقة رؤية الناس للأشياء. حين يقال: “هذا هو الواقع”، يُنتزع من الضمير حقُّ الاعتراض. وحين يقال: “الجميع يفعل ذلك”، تُدفن فكرة المسؤولية الفردية تحت ركام القطيع. وحين يقال: “ليس بالأمر الكبير”، يتدرّب القلب على الاستهانة، وتتعوّد النفس أن تتنازل قليلًا… ثم قليلًا… حتى يضيع الحد الفاصل بين ما يجوز وما لا يجوز. تبرير الفساد يعمل عملَ السحر الأسود في ميزان القيم؛ يقلب الموازين في لحظةٍ هادئةٍ بلا ضجيج. ترى الشريفَ كأنه الساذج الذي لا يفهم “كيف تسير الأمور”، ويُصوَّر التزامه بالقانون على أنه نقصُ خبرة، أو نوع من الغباء، أو رفاهية أخلاقية لا تصلح “لهذا الزمن”. وفي المقابل، يُرفع المتلاعب إلى مقام الفطنة والدهاء، ويُقدَّم المفسد كأنه رجلٌ عمليّ “يعرف من أين تؤكل الكتف”، وربما يُكسى فعلُه ثوبَ الإيمان أو الوطنية أو خدمة الناس، فيصبح السارقُ “مستحقًا لأنه تعب”، والمحتالُ “مضطرًا لأن الدولة قصّرت”، والمتجاوزُ “يعوّض نفسه”، وكأن الحقوق تُؤخذ بالشهوة لا بالقانون، وكأن العدالة صندوقُ اقتراحاتٍ لا معيار له. ومتى استقرّ التبرير، يبدأ المجتمع بفقدان قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ. لا لأن الناس يجهلون الحق، بل لأنهم يُستبدَلون بالراحة عن العدل، وبالمصلحة عن المبدأ، وبالنجاة الفردية عن المسؤولية العامة. عندها لا يعود السؤال: “هل هذا صحيح؟” بل يصبح: “هل هذا ينفعني؟” ولا يعود معيار الاحترام هو الاستقامة، بل يصبح القرب من النفوذ، والقدرة على تجاوز النظام، وإيجاد “طريقٍ مختصر” ولو كان عبر أبوابٍ مُحرّمة. والمعضلة أنّ الفساد حين يُبرَّر لا ينمو صاخبًا، بل ينمو بهدوءٍ مخيف. يبدأ صغيرًا في صورة “خدمة بسيطة”، ثم يتحوّل إلى شبكة علاقات، ثم إلى أعرافٍ غير مكتوبة تُدار بها المصالح. ومع الوقت، يتعوّد الناس عليه تدريجيًا حتى لا يعود يزعجهم، ولا يحرّك ضمائرهم، بل يصبح جزءًا من أسلوب الحياة اليومي: يُتداول كما تُتداول النكات، ويُذكر كما تُذكر العادات، ويُعامل كما يُعامل “قدرٌ لا مفر منه”. هنا، لا يصبح الفاسد وحده هو المشكلة؛ المشكلة الأكبر هي البيئة التي تحميه بالكلام والتطبيع والتقليل: بيئةٌ تُبرر وتغضّ الطرف، وتختلق الأعذار، وتجمّل الصورة، وتحوّل المحاسبة إلى “حسد”، والنقد إلى “تشويه”، والمطالبة بالشفافية إلى “مزايدة”. وحين يكثر هذا الخطاب، يشعر الفاسد بالأمان، لا لأن القانون عاجز فقط، بل لأن المجتمع نفسه صار حارسًا غير رسميّ لفساده: يحرسه بالصمت حين يجب الكلام، وبالضحك حين يجب الغضب، وبالتبرير حين يجب الرفض. ومن أخطر نتائج هذا التطبيع أنه يعلّم الأجيال الجديدة درسًا مكسورًا في معنى النجاح. حين يرى الشاب أن من يعمل بإتقانٍ لا يصل، ومن يلتزم بالقانون يُسخر منه، ومن يرفض المحسوبية يُوصم بالضعف، بينما من يتسلّق على أكتاف الآخرين يُكافأ ويُصفق له ؛ فإن الرسالة التي تصل إلى قلبه واضحة، ولو لم تُكتب: “لا تبنِ حياتك على الكفاءة؛ ابنها على الحيلة. لا تتعب في الصواب؛ أتقن الالتفاف. لا تحترم القانون؛ اعرف كيف تتجاوزه.” هكذا تتحول القيم من معاييرٍ للارتقاء إلى أدواتٍ للزينة في الخطب، وتتحول الأخلاق إلى شعارات معلّقة لا قوة لها في الواقع. وعندما ينتشر هذا المنطق، يتآكل الشعور بالعدالة من الداخل، كالسوس الذي يأكل الخشب دون صوت. يشعر المظلوم أن صوته بلا قيمة، وأن جهده يضيع سدى، وأن الطريق المستقيم طويلٌ في عالمٍ يفتح أبوابه للاعوجاج. وفي المقابل، يشعر الفاسد بمزيدٍ من الجرأة: يمد يده أكثر، لأنه لم يرَ حائطًا من الرفض، بل وسادةً من الأعذار. ومع كل خطوة يخطوها الفساد إلى الأمام، تتراجع الثقة بين الناس خطوةً إلى الوراء: تتراجع ثقتهم في المؤسسات، وفي القانون، وفي النزاهة، بل وفي بعضهم بعضًا؛ لأن المجتمع الذي يعتاد تبرير الخطأ يعتاد أيضًا الشك، ويعاني من هشاشة الروابط، ويعيش بنفَسٍ قصير من الأمان. ألا إن تبرير الفساد لا يدمّر المؤسسات فقط، بل يغيّر أخلاق الناس أنفسهم. لأن الإنسان لا يسقط عادةً مرةً واحدة؛ يسقط بالتدرّج. يتنازل اليوم عن مبدأٍ صغير، ويعطي لنفسه مبررًا أن “الظرف صعب”، ثم يتنازل غدًا عن مبدأٍ أكبر، ويقول: “الجميع يفعل ذلك”، ثم يصل إلى مرحلةٍ يصبح فيها ما كان يستفزّه بالأمس أمرًا عاديًا اليوم. هنا يتحول المجتمع إلى كيانٍ قوي في تبرير الخطأ، ضعيفٍ في الدفاع عن الحق: يجيد الكلام حين يريد أن يهرب، ويصمت حين يجب أن يقف. والأسوأ أن تبرير الفساد يخلق نوعًا من التدين المزيف أو الأخلاق الانتقائية: يشتدّ الناس على الضعفاء في صغائر الأمور، ويتساهلون مع الأقوياء في كبائرها. تُضخّم هفوةُ الفقير، وتُغسَل جريمةُ المتنفّذ. يُطالب الضعيف بالمثالية، ويُمنح القوي حصانة “الواقعية”. فيصبح ميزان العدل مائلًا، لا لأن الحق غامض، بل لأن الشجاعة غائبة. ولذلك فإن بداية العلاج ليست فقط في الأنظمة والقوانين—مع أنها ضرورية بل في “الوعي” الذي يسبقها: في تغيير النظرة الجماعية التي تجعل التبرير عادة. أن نتوقف عن تزيين الخطأ بالكلمات، وأن نعيد للأسماء حقيقتها: الفساد فساد، والرشوة رشوة، والمحسوبية ظلم، والاعتداء على المال العام خيانة للأمانة، وليس “تسييرًا للأمور”. أن نعلّم أنفسنا وأبناءنا أن قول “لا” للفساد ليس مثالية زائدة، بل هو شرط للحياة الكريمة، وأن مقاومة التطبيع ليست صراخًا ولا خصومة، بل هي موقفٌ ثابت: رفضٌ واعٍ، وشجاعةٌ هادئة، وإصرارٌ على أن الحق لا يحتاج إلى تبرير، وأن الباطل لا يستحقّ تجميلاً. ثم تأتي الخطوة الأهم: محاسبة النفس قبل محاسبة الغير. لأن كثيرًا من الفساد يبدأ من منطقةٍ رمادية في الداخل: من تهاونٍ صغير، ومن

img 4220
Blog, Legacy, Resilience, Uncategorized, مدوناتي

حين تطرق الصدمة باب الإنسان بلا موعد

اللحظة التي تطرق فيها الصدمة باب الإنسان من حيث لا يحتسب، يتوقف كل شيء فجأة… لا لأن العالم انتهى، بل لأن الداخل انكسر على نحوٍ لا يُرى. يتعثّر الزمن في خطوه، ويتلوّى الوعي كمن فقد خرائطه دفعة واحدة، وتغدو النفس كأنها خرجت من جسدها لتراقبه من بعيد: عينٌ تنظر، وقلبٌ لا يصدق، وعقلٌ يرفض الاستيعاب. إنها تلك الثواني الثقيلة التي يبدو فيها الواقع حلماً قاسياً، ويغدو الحلم واقعاً بلا رحمة، وتختلط الحدود بين الداخل والخارج، بين الوهم والحقيقة، حتى كأن الإدراك نفسه يدخل في عطبٍ لحظيّ… صمتٌ كثيف لا يترك للروح سوى الدهشة.

يسمّيها علماء النفس “المسافة بين الحدث وتفسيره”، تلك المنطقة الرمادية التي لا تُنتج فيها النفس ردّ فعلٍ واضحاً، بل تتحول إلى جدار صامت لا يعرف كيف يتلقى الضربة. في تلك المساحة المعتمة يتجمد الكلام، ويتعطل البكاء، ويضيق الصراخ حتى يكاد يختنق قبل أن يولد. يصبح الإنسان مشلولاً في العمق، تائهاً في فراغٍ مفاجئ، لا لأن مشاعره ماتت، بل لأن الصدمة أكبر من أن تُمسكها اللغة. هناك يحدث الصدع الأول: كسرٌ غير مرئي، شرخٌ لا يُرى لكنه يغيّر شكل الداخل إلى الأبد.

ومع ذلك… لم يُخلق الإنسان عارياً أمام هذا الهول. في داخله جهازٌ خفيّ يشبه مناعةً عاطفية، يتكوّن عبر سنواتٍ من الخيبات الصغيرة والندوب القديمة: فشلٌ يُعلِّمه الصبر، فقدٌ يدرّبه على احتمال الغياب، إحباطٌ مبكر يترك فيه درساً عن حدود السيطرة. تتراكم هذه التجارب كأنها تدريبات صامتة على الزلزال الأكبر. الألم الأو حتى وإن بدا عبثياً قد يكون مدرسة مبكرة للألم الأعظم؛ فالروح أيضاً تتعلم المقاومة بالمواجهة، وتتقوى بما نجت منه، كما يتعلم الجسد من جرعات الخطر كيف يحمي نفسه

3cdeed7f c160 4a02 a914 cea4947042c7
Blog, Legacy, Resilience, Uncategorized, مدوناتي

يا عاصم… يا قطعةً من القلب لا تُرى، ولا تغيب.

يا عاصم… يا قطعةً من القلب لا تُرى، ولا تغيب.

حين سمّيتُك “عاصمًا” لم تكن التسميةُ اسمًا على شهادة الميلاد فحسب؛ كانت دعاءً طويل النفس، واستعارةً من سيرة صحابيٍّ شدّ الله به أزر الثابتين. كنتُ أرجو أن تكون عاصمًا: ثابتًا إذا اضطربت الأرض، صادقًا إذا كثرت الأقنعة، أمينًا إذا قلّ الأمناء، شجاعًا لا تهزّه هزّات الدنيا ولا تُطفئه وحشة الغياب.

قد يهونُ على بعض الناس فراقُك وفراقَ والدك عنك… لكن ليعلموا جيدًا أن الفراق لا يُقاسُ بما يراه الناس، بل بما يُحدثه في الصدر حين يُطفأ حضنٌ كان يتّسع للعالم. حال بيننا ما حال، وتفرّقت بنا السُّبل، حتى ظننتُ في لحظاتٍ من التعبً أن البشر كلهم قد يئسوا من اجتماعنا مرةً أخرى. لكن قلبي لم ييأس من الله، ولم يتنازل عن رجائه أن يضمّك إلى صدري من جديد.

إنني بعون اللهً تيمنتُ بذلك الصحابي الجليل، وأستودعتُك الله كما استودع هو نفسه ربه؛ وأنت في أمان الله… حيًّا كنت أو ميتًا. فالله إذا تولّى حفظ عبدٍ، أجرى له من أسباب الحفظ ما لا يخطر على بال أحد.

يا عاصم… يا قطعةً من القلب لا تُرى، ولا تغيب.

حين سمّيتُك “عاصمًا” لم تكن التسميةُ اسمًا على شهادة الميلاد فحسب؛ كانت دعاءً طويل النفس، واستعارةً من سيرة صحابيٍّ شدّ الله به أزر الثابتين. كنتُ أرجو أن تكون عاصمًا: ثابتًا إذا اضطربت الأرض، صادقًا إذا كثرت الأقنعة، أمينًا إذا قلّ الأم

إنني بعون اللهً تيمنتُ بذلك الصحابي الجليل، وأستودعتُك الله كما استودع هو نفسه ربه؛ وأنت في أمان الله… حيًّا كنت أو ميتًا. فالله إذا تولّى حفظ عبدٍ، أجرى له من أسباب الحفظ ما لا يخطر على بال أحد.

img 1361 1
Blog, Legacy, Resilience, مدوناتي

Humanity and the Fabric of Belonging

In a world that often isolates us, remember: we thrive through connection. True humanity emerges when we see beyond facades to the shared burdens and dreams of others. As technology advances, we risk losing the warmth of human connection. The challenge now is to rebuild our collective spirit a daily practice that transforms us from solitary individuals into partners in destiny.

2ec4a59c d66f 4f80 8785 a9da96adea6f
Blog, Legacy, Resilience, Uncategorized, مدوناتي

خاطرة وتأمل حول قوله تعالى: «فما ظنَّكم بربِّ العالمين»

“فما ظنكم بربِّ العالمين”

كأنّ الآية تطرق باب القلب طرقًا رقيقًا وحاسمًا في آنٍ واحد، تسأله سؤالًا لا يحتمل الغفلة: أيُّ ظنٍّ تحملونه بربٍّ يربّيكم بلطفه، ويقود خطاكم بعنايته، ويغمر أيامكم برحماته الظاهرة والخفيّة؟

إنها ليست مجرد آية، بل مرآة للروح؛ تُريك مقامك عند الله بقدر ما يملأ قلبك من حسن الظن به. فإذا امتلأ القلب يقينًا بأن الله أقرب إليك من كل قريب، أرحم بك من كل رحيم، وألطف بك من نفسك؛ عندها فقط تتسع فيك الحياة، ويهدأ الاضطراب، وتنكشف لك أبواب النجاة التي لم تكن تراها.

إنّ الله رفيق، لطيف، رؤوف، رحيم لا يترك قلبًا لجأ إليه، ولا يخيب عبدًا علّق رجاءه به. ومن جعل ظنه بالله جميلًا، جعل الله له من كل عسرٍ يسرًا، ومن كل خوفٍ أمانًا، ومن كل ظلمةٍ نورًا.

فما ظنّك برب العالمين؟
سؤالٌ يُعيد ترتيب القلب، ويعيدك إلى الحقيقة التي لا تتبدّل:
الله أرحم بك من أن يتركك، وألطف بك من أن يبتليك بلا حكمة، وأكرم من أن يخذلك وقد أحسنت الظن به.

فليكن ظنك بربك بحجم كرمه، لا بحجم همومك

img 0862 1
Blog, مدوناتي

المعلّم في الوجدان الصومالي. “هيبةُ رسالةٍ وضياءُ حياةٍ”

كان والدي يوسف بطلًا من أبطالِ التَّعليم، تحفظه ذاكرةُ المجتمع الصوماليِّ بوصفه مشعَلًا للهداية، ودليلًا للأبناء نحو مستقبلٍ أفضل؛ لم يزل يحرِصُ على أن يكون طلابُه أعضاءً فاعلين في نهضةِ المجتمع وبنائه. ونسألُ اللهَ تعالى أن يُثيبَه عن جُهده وتفانيه بجنَّاتِ الفردوسِ الأعلى، وأن يجعلَ ما قدَّم لهم من تعليمٍ وتربيةٍ في ميزانِ حسناتِه، جَزاءً له على ما بذل من إخلاصٍ في خدمةِ الأجيال.

إنه معلّم حياتي، الذي علّمني معنى الحياة وقيمتها، وفتح أمامي دروب المعرفة والوعي، وربّاني على أن تكون الكلمة الطيبة والفكرة الصادقة والعلم النافع طريقًا لخدمة الناس والوطن.

إنَّ المعلِّمين في الصومال رُكنٌ ركينٌ من أركانِ هذه الأمَّة، وهم أحقُّ الناسِ بالإجلالِ والتقديرِ والدَّعمِ الكامل؛ فبهم تُشَيَّدُ صُروحُ القِيَم، ويُصانُ الهويَّةُ والثقافة، وتُبنَى العقولُ التي تحمِلُ مشروعَ النَّهضةِ والعُمران.

img 0078
Blog, Legacy, Resilience

بين بريق الأضواء وظلِّ الإتقان

تبدو الحياة هذه الأيام وكأنها خشبة مسرحٍ مفتوحة، تزدحم حولها الأضواء وتتعالى فيها أصوات التصفيق، حتى صار وهج الكاميرات معيارًا زائفًا للقيمة، وصار بريق الظهور الخارجي بديلًا عن جوهر العمل ومعناه. في مثل هذا الازدحام الصاخب، تنزلق القيم إلى الهامش، ويتراجع الإتقان أمام لهاثٍ محموم نحو شهرةٍ هشة لا تستند إلا إلى عدد متابعين، أو صورةٍ مُنمّقة، أو لحظة إعجابٍ لا تدوم.

لكن هناك فضاء آخر… مساحة هادئة لا يصلها صخب الأضواء ولا تتسلل إليها عقد المباهاة. فضاء الظلال.
في هذا الفضاء يولد العمل المتقن، وتُصان النوايا من تشويه الرياء، ويظل القلب نابضًا بالصدق بلا حاجة إلى جمهور ولا تصفيق. العمل في الظل ليس انسحابًا ولا هروبًا، بل هو اختيارٌ ناضج حين يصبح البريق معروضًا بثمنٍ رخيص. هو عودة إلى الأصل: إلى قيمة الإنسان بما يقدّمه، لا بما يُقال عنه، وإلى صوته الداخلي لا يمكن لأضواء الشهرة أن تخدّر بصيرته.

فالأضواء ليست دائمًا دفئًا… كثيرًا ما تحرق.
أمّا الظل، ففيه راحة تبدأ من الداخل؛ راحةٌ تشبه نسمةً خفيفة لا يوقظها تصفيق ولا يطفئها نقد. هنا تتحرّر الروح من ضغط التجمّل، ويعثر الإنسان على حريته الأولى: حرية أن يكون نفسه كما هي، بلا أقنعة ولا محاولة لإرضاء أحد.

في الظل تنضج الحكمة… ينضج الصبر… وينضج القلب. تتراكم الخبرات بعيدًا عن ضجيج المقارنات، ويصبح النجاح فعلًا داخليًا لا يحتاج إعلانًا. لا أحد يعرف، ولا أحد يشهد، ولا أحد يصفّق—ومع ذلك ينمو الإنسان، ويزدهر، ويحيا بطمأنينة لا يدركها من سكنوا تحت وهج الظهور. فهناك من خرجوا إلى الضوء بحثًا عن مكانٍ بين الناس، فإذا بالضوء يكشف ضعفهم، ويسرق منهم سكينتهم، ويزجّ بهم في دوائر من النقد، والسخرية، والتقليل، حتى استثقلوا الحياة التي تمنّوها.

في المقابل، أهل الظلال لا ينتظرون مدحًا ولا يتألمون لغياب التفاعل. يكفيهم صفاء نواياهم، ويكفيهم اتساع صدورهم وهم ينجزون في صمت، ويساعدون في صمت، ويفرحون في صمت. هناك حيث لا يراقبهم أحد، تتشكل أصدق لحظات الإنسانية، وتولد أجمل مساحات الطمأنينة؛ فالراحة لا تقيم تحت الأضواء… الراحة تسكن الزوايا الهادئة من الحياة.

وحين يختار الإنسان الظل، تختفي الحاجة إلى إرضاء العيون، ويعود معيار العمل إلى أصله: إخلاصٌ خالص لا يتجه إلا إلى وجهٍ واحد، وطمأنينة لا تُستمدّ إلا من صفاء العلاقة مع الله، ثم مع النفس، ثم مع الأهل. فلا يُعمل خيرٌ من أجل أن يُرى، ولا يُترك شرٌّ خشية أن يُقال، بل تصبح النية أصدق، والخطوة أثبت، والبصيرة أعمق. في الظل يخطئ الإنسان بكرامة، ويتعلّم بكرامة، ويعيش بكرامة… دون أن يتحول إلى مادةٍ للناس أو حكاية على صفحاتهم.

حياة الظل ليست تراجعًا؛ إنها حكمة. ليست عجزًا؛ إنها وقاية. ليست عزلة؛ إنها راحة صافية، وحرية نقية، وقيمة لا يمكن أن تمنحها الأضواء مهما سطع وهجها.

Scroll to Top