يا ابني أيها الحبيب عمار
إليكَ يا بنيّ، يا قُرَّة القلب وامتداده، يا عمار…
يا من أشتاق إلى صوتك يناديني: أبي عمار، فأشعر أنّ الدنيا اتسعت بما فيها، وأنّ اسمي صار أجمل حين خرج من شفتيك.
أكتب لك هذه الوصيّة، وقد طال خيالك في قلبي، واشتاقت الروح لحديثك، فاسمعها منّي حرفًا حرفًا، وافتح لها قلبك حين تكبر، فربّ كلمةٍ تُنقذ إنسانًا من حيرة، وربّ معنى يُعيد ترتيب العمر كلّه.
يا بنيّ…
نحن البشر لم نُخلق لنجد كلّ الإجابات، بل لنخوض التجربة حتى تنضج أرواحنا. خُلِق الإنسان في كبد، في مشقّةٍ وتقلّب، يسعى ويكابد، ويكدح إلى ربّه كدحًا؛ ليس لأن الحياة قاسية بلا حكمة، بل لأن في الكدح سرّ التزكية، وفي التعب طريق التشكّل. الحياة ليست انتصارًا دائمًا، ولا هزيمةً مطلقة؛ إنّها مزيجٌ من الفقد والربح، من الوجع والنضج، من الصمت والكلام، من الرحيل والعودة.
ستجد قلبك يا عمار يخوض معاركَه مع أعقاب الأيام. في زوايا ذاكرتك حكاياتٌ تمضي وتئنّ بصوتٍ خافت، وحكاياتٌ تعيشها الآن، تجرّك إلى عوالم تتلاقى فيها الأمنيات؛ بعضها يشرق إيمانًا بأنّ المستقبل يحمل بريقًا جديدًا، وبعضها يذوب في ضباب واقعٍ ملتبس، يمرّ بك دون أن تدرك عبوره. لا تخف من هذا التيه؛ فالإنسان لا يضيع حين يحتار، بل حين يتوقّف عن السير.
قد تجد نفسك يومًا بين أمنيّةٍ ينبض بها قلبك، وأخرى تاهت عنك دون وداع. ستعتاد مفاجآت الحياة، وتحتضن قدرك بصمتٍ فيه سكينة، حتى وإن بقيت بعض الأحلام معلّقة في أفقٍ لا تملك مفاتيحه. تعلّم أن تتقبّل ما يأتيك، وأن تتأقلم مع الأقدار؛ فالرجل ليس من يُغيّر كلّ شيء، بل من يُحسن التعامل مع ما لا يستطيع تغييره.
يا بنيّ…
القوّة الحقيقية لا تُبنى بالاندفاع، بل بالفهم. كلّ يومٍ يمرّ، مهما حمل من ألمٍ وهمّ، هو درسٌ من دروس الزمان، يدعوك إلى التأمّل والسكينة. السلام لا يأتي من اقتحام الحياة بعنف، بل من احتضانها بصدرٍ رحب. التجارب لا تكسرنا إن فهمناها؛ بل تُعيد تشكيلنا، تُقلّص صخبنا، وتوسّع بصيرتنا.
ستعرف يومًا ذلك الإرهاق الهادئ، التعب الذي لا يُقال، والألم الذي لا صرخة له. لكنه، يا عمار، هو الذي يصقل معادن الرجال. لا نتخطّى الحياة بقوّتنا، بل بصبرنا عليها؛ بفهمنا لما تأخذه وما تبقيه؛ بقدرتنا على حمل ما لا يُحمل، والابتسام رغم ما كان ينبغي أن يُبكينا.
نحن نكبر بالألم، ونتعلّم بالصبر، وننجو بالفهم. نخفي أحيانًا ما يجب أن يُقال، ونقول ما لا يعبّر تمامًا عمّا في صدورنا. ومع ذلك، نستمرّ في السير؛ لأن الحياة لا تنتظر أحدًا، ولأننا ًمهما تهنا لا نملك إلا المضيّ قُدمًا.
فكن يا بنيّ رجلًا يعرف أنّ الكدح إلى الله شرف، وأنّ المشقّة طريق الارتقاء، وأنّ قبول الأقدار ليس ضعفًا بل وعيًا عميقًا بسرّ الوجود. إذا ضاقت بك الدنيا، فاعلم أنّ في داخلك قدرةً أكبر مما تظنّ. وإذا انتصرت، فتواضع؛ فالحياة دولٌ بين الناس.
وأنا، يا عمار، أفخر بأنني أبوك، وأحبّ أن يُناديني الناس باسمك؛ لأنك قطعةٌ من روحي، وامتداد دعائي في هذه الحياة. إن اشتدّ بك الطريق يومًا، فتذكّر أنّ لك أبًا دعا لك في غيبك، وأحبّك قبل أن تكبر، وكتب لك هذه الكلمات علّها تكون مصباحًا في عتمة، أو يدًا خفيّةً تربّت على كتفك حين لا يكون إلى جوارك أحد.
سرْ يا بنيّ، وكن على يقينٍ أنّ كلّ كبدٍ وراءه فرج، وكلّ كدحٍ وراءه لقاء، وأنّ الإنسان ما خُلق إلا ليصبر، فيفهم، فيسمو.










