ذاكرةٌ لا تنطفئ، وأملٌ لا يخبو

كذبوا علينا بنعومةٍ وحنان حين قالوا إنّ دوران عقاربِ الساعةِ كفيلٌ بمحوِ ما انحفرَ عميقًا في أعماقنا. زيّنوا لنا وهمًا لطيفًا يهدّئ روعَ الليالي الطويلة: أنّ الوقتَ طبيبٌ حاذقٌ يضع يدَه على جراحِنا برفق، ويُضمّد كلَّ حزنٍ، ويطوي كلَّ حكاية بهدوء. لكنّ الحقيقة هذه الحقيقةُ التي تطرق بابَ وعينا في لحظاتِ الصفاء أعمقُ من ذلك بكثير. الأيامُ لا تنسى؛ إنّها تُصغي بصمت رقيق، وتحتفظُ بكلِّ نبضة، بكلِّ لحظة، بكلِّ همسة وقعت على حافةِ الروح.

تُخبّئُ الأيامُ في زوايا الذاكرةِ الخفيّة كلَّ صغيرةٍ وكبيرة: لقاءاتٍ كانت دافئةً كشمسِ الشتاء التي تنسكب على الوجه المُتعبِ فتهدّئه، لقاءاتٌ ملأت القلبَ بنورٍ لم يكن يتوقعه. ووداعاتٌ موجعة؛ تلك اللحظاتُ الثقيلة حين ودّعنا أيدٍ كانت تمسكُ بأيدينا في الظلام، ووجوهٌ كانت تُرينا طريقَ الأمل. ودموعٌ انهمرت في الفرحِ كما في الألم وكأنّها تغسلُ روحنا من الداخل، تُطهّرها، تُعيدُ تشكيلها. وشموعٌ أضاءت مناسباتنا وأفراحنا ثمّ انطفأت تدريجيًّا، تاركةً خلفَها رائحةَ ما كان. ولحظاتُ ضياعٍ عميقة هنا فيها على مفارقِ الطرق، وقفنا فيها دون أن نعرفَ أي الاتّجاهاتِ نسلك.

الوقتُ في حقيقته ليس أداةَ نسيان؛ إنّه أشبهُ ببركانٍ هادئٍ يختمرُ في صمتٍ عميق، ينقّي نفسَه في الظلام بعيدًا عن الأنظار. نحسبُ أنّنا نجونا من حممه، ونُحكمُ إغلاقَ أبوابِ الغُرفةِ التي تحتويه، نطويها بأوراقٍ من السلام الكاذب. لكنّ اللحظةَ تأتي في لحظةٍ لم نتوقّعها، حين تنخفض حراستُنا فينفجرُ فينا فجأةً، يرتفعُ كموجةٍ عاتية، ليُذكّرنا بقسوةٍ وحنانٍ معًا أنّنا لم ننسَ، ولن ننسى أبدًا.

كلُّ ما في الأمرِ أنّنا أتقنّا فنَ التكيّفِ الصعب؛ فنُّ أن نعيشَ رغمَ كلِّ شيء. نكبتُ مشاعرنا الصاخبةَ في أعماقِ الصدر كي نُكملَ المسيرَ في الطريق، ونرتدي وجوهًا منمّقةً لا تعكسُ العواصفَ التي تهبُّ داخلنا. موهّمين أنفسنا بلطفٍ أنّنا عبَرنا الماضيَ وتجاوزناه، مُقنعين أنفسَنا أنّ الجراحَ التأمت والندوبَ اختفت. لكنّ الندوبَ يا صديقي لا تختفي؛ إنّها تتعلّمُ فقط أن تسكتَ، أن تجلس بهدوءٍ في الزاوية، تراقبُنا بصبرٍ قديم.

وما زلتُ ًحتى الآن، وسيظلّ قلبي كذلك ًأستعيدُ بوجعٍ لا يُنسى، بحنينٍ عميقٍ يُخترقُ الصدرَ كسهمٍ باردٍ، تلك اللحظاتِ التي انحفرت في الروح حفرًا لا تُملأ. أستعيدُ بوضوحٍ يؤلمُ افتراقَ الأيدي تلك اللحظةُ حين تنفلتُ الأصابعُ ببطءٍ ألم والنظراتِ الحزينةِ التي تحتوي على الآلاف من الكلماتِ التي لن تقال. أستعيدُ رجفةَ القلوبِ عند الوداع؛ ذلك الارتجاجُ الداخلي الذي يشعرُ به الجسدُ قبل أن تفهمَه الروح. وذلك الألمَ الخامدَ لا الحادّ، بل الخامدُ الذي يبقى ينخر في النفسِ بعد الرحيل ينقبُ في الأعماق بتؤدةٍ مرعبة.

يطلّ الاشتياقُ حينها كموجةٍ عاتيةٍ لم نتوقّع قوّتَها، يصفعنا صفعةً إثرَ أخرى، كلٌّ منها تيقظنا من نومِ النسيان الكاذب. يُعلّمنا الاشتياقُ بقسوةٍ ورحمة أنّ الفقدَ ليس حادثةً تمرّ، بل حقيقةٌ نعيشُها مع كلِّ نبضةِ قلب. يُخبرُنا أنّ الفراقَ جزءٌ لا ينفصلُ عن نسيجِ وجودنا، مثلما الضوءُ والظلام، مثلما الحياةُ والموت.

وبعد أن تمضيَ السنونُ سنواتٌ من المحاولة والكدح والصبر نقفُ أمام أنفسنا مشدوهين، مذهولين من سذاجتنا العميقة. نُدركُ بألمٍ جديدٍ مختلفٍ أنّنا لم ننسَ حقًا، لم نتخلّصْ من الماضي كما حاولنا طويلًا. رغمَ كلِّ محاولاتِ الطيِّ والتناسي، رغمَ كلِّ الجهدِ الذي أنفقناه على النسيان، تبقى الذكرياتُ حيّةً، تنبض بالحياة. فالزمنُ لا يمحو شيئًا ليتَه يفعل! بل يُبقي كلَّ شيء مُعلّقًا، يُحافظُ عليه في برطمانٍ زجاجيٍّ شفّاف، في انتظارِ شرارةٍ واحدةٍ لتُشعلَ كل شيء.

غير أنّنا نحنُ أبناءَ هذا الزمنِ الصعب، نحنُ جيلُ الألفية والقرنِ الجديد لم نُمنَح فرصةَ أن نعيشَ شبابنا على النحوِ التقليديِّ المُفعمِ بالحريةِ البريئة والاكتشافِ العابثِ الجميل. لم نُعطِ أن نكونَ صغارًا بالمعنى الكامل، أن نضيّعَ الوقتَ في أشياءَ لا معنى لها، أن نحلمَ بأحلامٍ بسيطة.

نحنُ جيلُ الصمود؛ وُلدنا إلى الدنيا وسطَ زوابعِ أحداثٍ متلاحقةٍ ورياحِ تحديّاتٍ لا تهدأ. جئنا في وقتٍ كانت فيه العالمُ يعيدُ تشكيلَ نفسَه، تتصادمُ فيه الأفكارُ والنظمُ والقيم. نشأنا على وقعِ الصراعات؛ صراعاتٌ سياسية، اقتصادية، اجتماعية، نفسية. تعلّمنا منذُ البدايةِ ًدون أن يعلّمنا أحدٌ صراحةً أنّ الحياةَ معترك، أنّ الرومانسيّةَ تموت بسرعة، وأنّ البقاء للأقوى والأكثرِ مرونة، للذي يعرفُ كيف يثني ظهرَه دون أن ينكسر.

طُبعت أرواحنا بالمعارك منذ الوهلة الأولى؛ بدايةً من شظفِ العيشِ وضيقِ الاقتصاد الذي يجعلُ الحياةَ نضالا يوميًّا بحثًا عن القوتِ والأمان، مرورًا بتقلّباتِ الاجتماعِ والسياسةِ التي تَهزُ أسسَ ما نعتقدُ أنّه ثابت، وصولًا إلى ما بات يُهدّد كوكبنا من أزماتٍ بيئيةٍ وصحيةٍ تجعلُنا نشعرُ بالوحدةِ والضعف. لم يعُد أمامنا خيارُ تجنّبِ الصراع، أو الاختباءُ منه، أو حتى إنكارُه. صار السعيُ إلى التكيّفِ والنجاحِ وسطَ العواصفِ جزءًا عميقًا من هُويّتنا، ملصوقا بجلدِنا، منسوجًا في نسيجِ أنفسنا.

تصقلنا التجاربُ بلطفٍ ووحشية، تُحولّنا تدريجيًّا، تُخرجُ من كلٍّ منّا نسخةً أقوى، وأكثر استعدادًا، وأعمقَ فهمًا لما يعنيه أن تكونَ إنسانًا حقيقيًّا. هذه الرحلةُ الطويلةُ المُؤلمة والجميلة في نفسِ الوقت تُشكّلنا بطريقةٍ لا يمكنُ فهمُها إلا بالعيش. تعلّمنا أن نحتفيَ بالانتصاراتِ الصغيرةِ كما تحتفي القرية بحصادِها: حين نجحنا في امتحان، حين تابعنا شخصًا آخرَ في يوم صعب، حين التقطنا نفسَنا بعد سقوط. وأن نلتمسَ الأملَ في أحلكِ اللحظات وليس أملًا عابرًا، بل أملًا عميقًا ينبعُ من إيماننا بقيمتِنا رغمَ كلِّ ما يحيطُ بنا. وأن نستخلصَ الحكمةَ من رمادِ الإخفاقات؛ فالفشلُ ليس نهايةً، بل درس مرّ، لكنّه يُعلمنا مسارًا جديدًا.

تعلّمنا أن نعيشَ على نحوٍ مختلف تمامًا؛ طريقةٌ تجعلنا نقدّرُ فيه اللحظةَ الراهنةَ هذه اللحظةَ بالذات لا كمقدّمة لما هو آتٍ، بل كنهايةٍ بذاتِها. نتصالحُ معها، نعيشُها بوعيٍ عميق. ولا نملكُ خيارًا سوى الإستمرار والصمود؛ فنحنُ لا نعرف للنهايةِ عنوانًا واضحًا، ولا نُتقنُ سوى فنِّ المواصلةِ والكفاح، والخطوةِ الواحدةِ في كلِّ مرة.

إنّ القوةَ الحقيقيةَ تسكنُ في القلوبِ التي تتّسعُ للحبِّ رغمَ كلِّ الألم، وفي النفوسِ التي تُمعنُ في العطاءِ دون أن تنتظرَ جزاءً أو شكورًا، وفي إيماننا أنّ الخيرَ باقٍ في هذا العالم. وحين تكتسي الحياةُ بالرمادِ وتثقلُ بالتحديات، تظلّ أحلامنا مُلوّنةً بألوانِ الأملِ والتفاؤل، وتبقى أرواحنا تنشدُ النقاءَ والسلامَ الداخليَّ غايةً عُظمى. فأحلامنا تظلّ متألقةً بلونِ الوردِ رغمَ قسوةِ الظروف، شهادةً على أنّ النقاءَ ما زال هدفنا الأسمى، وأنّ السعيَ وراءَ السلامِ أجملُ ما نتمنّاه في هذا الوجود.

وحين تكتسي الحياةُ بالرمادِ وتثقلُ على أكتافِنا بالتحديات، تظلّ أحلامنا تلك الأحلامُ الصغيرة والكبيرة مُلوّنةً بألوانِ الأملِ والتفاؤل. تظلّ مُتوهّجةً بنورٍ داخليٍّ لا يأتي من الخارج. تبقى أرواحنا تنشدُ النقاءَ والسلامَ الداخليَّ كأسمى الأهداف، كأنقى الغايات.

فأحلامنا تظلّ متألقةً بلونِ الوردِ الناعمِ، بألوانِ الشروقِ، رغمَ قسوةِ الظروفِ والرمادِ الذي قد تفرضهُ علينا الحياةُ بقساوتها. هذه الأحلامُ هي شهادةٌ صامتةٌ على أن النقاءَ ما زال يمثّلُ هدفنا الأسمى، على أننا لم نستسلمْ للرمادِ، وأنّ السعيَ وراءَ السلامِ الحقيقيِ والعدلِ والحب هو أجملُ ما نتمنّاه في هذا الوجود.

وفي قلبِ الرحلةِ كلِّها، يظلّ الأملُ مُستوطنًا فينا، يُنيرُ الدربَ ويُذكّرنا أنّ أبوابَ الحياةِ ما زالت مُشرَعةً على مصاريعها، مهما تكاثرت العقبات. يُخبرنا الأملُ أنّنا انتصرنا على ندوبِ الماضي، لا بنسيانها، بل بتحويلها إلى دروسٍ تمنحنا القوةَ والصلابة. فالأملُ ليس مجردَ كلمةٍ تُقال، بل قوةٌ دافعةٌ تُحيي فينا الرغبةَ في فتحِ صفحةٍ جديدة، وتُذكّرنا أنّ الفرصَ ما تزال مُتاحة، وأنّ فينا من العزمِ ما يهزمُ جراحَ الأمس

يُخبرُنا الأملُ بصوتٍ هادئٍ عميق أنّنا انتصرنا على ندوبِ الماضي الغائرة، أنّنا انتصرنا على الألمِ والمعاناة التي حاولت إسقاطنا. لا بنسيانِها فالنسيانُ الحقيقيُّ وهمٌ جميل لكنّه وهم بل بتحويلِها إلى دروسٍ عميقةٍ تمنحنا القوةَ والصلابةَ والحكمة. فكلُّ ألمٍ مرّ أصبحَ جسرًا نعبر عليه نحو نسخةٍ أفضلَ من أنفسنا.

الأملُ وهذا سر عميق ليس مجردَ كلمةٍ جميلةٍ نتداولها في اللقاءاتِ الاجتماعية. إنّه قوة دافعةٌ حقيقيةٌ تحيي فينا الرغبةَ في فتحِ صفحةٍ جديدة، في الاستيقاظِ كلّ صباح برغبة. يُذكّرنا الأملُ في كلِّ لحظة ضعف بأنّ الفرصَ والإمكانياتِ في الحياة لا تزالُ مفتوحةً على مصراعيها، بلا توقف، بلا حدود. يُخبرُنا أنّ فينا من العزمِ والقوّة ما يهزمُ جراحَ الأمس، وما يفتحُ أبوابًا جديدةً قد لم نتخيّلها حتى.

نحن لا نحملُ في رحلتِنا هذه آثارَ الماضي وجروحَه وحدها، نحمل معها خبرة النجاة، وكرامة الصمود، ودهشة القدرة على البدء من جديد. نحمل جراحنا، نعم، نحملُ أيضًا معها تجاربنا الغنيةَ العميقة، ونجاحاتنا الصغيرة والكبيرة، وقدرتنا المذهلةَ على التعافي والنمو والتعلم.، وهكذا نحمل أيضًا انتصاراتنا الصغيرة، وقلوبنا التي لم تفقد نبضها، وأرواحنا التي لم تتنازل عن نقائها.

ولهذا نمضي.

لا لأن الطريق سهل، بل لأن في داخلنا ما يستحق أن يصل. نمضي بقلوبٍ تعرف الألم ولا تستسلم له، وبأرواحٍ جرّبت الفقد لكنها لم تفقد الإيمان، وبأملٍ لا ينتهي عند حادثة، ولا ينكسر عند خيبة، ولا يموت لأن الحياة تأخرت في إنصافنا.

نمضي لأننا تعلّمنا أخيرًا أن الزمن لا يمحو كل شيء، لكنه يمنحنا فرصةً أثمن: أن نعيد تشكيل أنفسنا من جديد، لا كما كنا قبل الألم، بل كما صرنا بعد أن عبرناه؛ أكثر وعيًا، أكثر رحمة، أكثر صلابة، وأكثر قدرةً على الحب والحياة..

لم ننسَ هذا صحيح؛ لكنّنا تعلّمنا كيف نحوّل الذاكرة جسرًا نعبر عليه نحو الغدً!!!

هذا هو جمالُ الروحِ الإنسانيّة أنّها لا تستسلمُ، أنّها تعودُ دائمًا، أنّها تحب مجدّدًا، وتحلم مجدّدًا، وتصدقُ مجدّدًا.

✍️د.جلال الدين يوسف أحمد.
من مدونتي ؛ الأوهام المريحة ٢٠٢٥

Leave a Reply

Scroll to Top

Discover more from Dr Abdulrazaq Yusuf Ahmed | Dr Jalaaludiin

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading